قصة خرج شاباً من منزله يدفع عربته المحملة بالخبز
خرج سامر من منزله يدفع عربته الخشبية المحمّلة بالخبز الطازج الذي أعدّه فجرًا بيديه المتشققتين، وكلّه أمل أن يكون هذا اليوم أفضل من سابقه. كان الجو باردًا والضباب يغطي الشوارع، بينما كان هو يردد في قلبه دعاء المعتادين على الصبر: “يا رب ارزقني رزقًا واسعًا طيبًا.”
وقف عند المكان الذي اعتاد الوقوف فيه كل صباح، أحد أكثر الطرق ازدحامًا في الحي، المكان الذي يستقبل فيه الناس الخبز كحاجة يومية لا غنى عنها. لكن هذا اليوم… كان غريبًا.
كانت السيارات تمرّ، والناس يعبرون، بعضهم ينظر إليه، بعضهم يتجاهل وجوده تمامًا… ولم يقترب أحد.
مرّت ساعة… ثم اثنتان… ثم ثلاث.
الخبز الذي كان يبخّر برائحة الدفء أصبح باردًا وصلبًا، والنهار أوشك على الانتهاء، وسامر واقف في مكانه، كأن الزمن توقّف عليه وحده.
ومع غروب الشمس، قرر أن يعود إلى منزله، يدفع عربته الثقيلة ببطء، وهو يتمتم: “قدّر الله وما شاء فعل، يمكن رزقي غدًا.”
وعندما فتحت زوجته الباب، تفاجأت بعودة العربة كما هي.
سألته بقلق شديد:
“سامر… ولا رغيف؟”
هزّ رأسه بابتسامة مُتعبة:
“ولا رغيف… وزّعيهم عالجيران يا أم مريم، الله كبير.”
أخذت الخبز وخرجت… ولم تكن تعلم أن هذا المساء لن يشبه أي مساء آخر في حياتها.
بدأت أم مريم بطرق أبواب الجيران واحدًا تلو الآخر تحمل الخبز بين يديها. لكنها فوجئت أن الجميع يرفض.
الأول قال لها: “الله يرضى عليكي، مش ناقصينا.”
الثاني اعتذر بلطف.
الثالث أغلق الباب بسرعة دون سبب واضح.
أما الرابع، فشكرها وقال: “اعطيه لحدا محتاج أكتر منا.”
لكنها كانت تعرف… لا أحد في الحي يرفض الخبز المجاني، لا أحد.
القلق بدأ يزحف في قلبها.
وفي طريق عودتها، توقف الزمن فجأة عندما رأت أمامها شيخًا كبيرًا، طويل القامة، نور وجهه يشبه القمر ليلة البدر، وملابسه بسيطة لكنها نظيفة بشكل غريب.
قال لها بصوت هادئ عميق:
“يا ابنتي… هل تعرفين بيت سامر بن عبد الرازق؟”
شعرت بقلبها يهتز:
“نعم… إنه بيتي.”
ابتسم ابتسامة لم تستطع فهمها، ابتسامة فيها طمأنينة وخشوع وهيبة في الوقت نفسه.
“دلّيني عليه… بارك الله فيك.”
سارت أمامه، وهو يسير خلفها بلا صوت… بلا خطوات… كأنه ينساب فوق الأرض لا يمشي.
وعندما وصلت إلى باب المنزل واستدارت لتشير له…
اختفى.
اختفى تمامًا.
لم يترك ظلًا… ولا أثرًا… ولا حتى صوتًا يدلّ على أنه كان موجودًا أصلًا.
شهقت أم مريم، وارتجفت ركبتاها، وبدأت تبكي بالخوف وهي تركض إلى الباب، تطرق عليه بجنون.
فتح سامر وملامحه مذعورة:
“شو في يا أم مريم؟ ليش عم تبكي؟!”
صرخت وهي ترتجف:
“سامر… في رجل… نور بوجهه… مشيت قدامه لحد البيت… ولما التفتّ… اختفى! اختفى يا سامر! في شي مو طبيعي… في سر كبير!”
قبل أن يجيبها سامر… حدث أمر جعل دماء الاثنين تتجمّد في عروقهم.
فجأة، انطفأت الأنوار في كل غرف البيت دفعة واحدة، حتى أنفاس الهواء داخل المنزل تغيرت، وصار الجو أثقل… كأن شيئًا غير مرئي يمرّ بين الجدران.
ثم سُمع صوت خافت من غرفة مريم الصغيرة؛ همس يشبه تلاوة… أو دعاء…
لكن الصوت لم يكن صوت الطفلة، ولا صوت أحد يعرفونه.
دخل سامر الغرفة بخطوات بطيئة، وزوجته خلفه تتشبث به كأنها تخشى أن يسقط من بين يديها.
وعندما فتح الباب… وجد مريم جالسة على سريرها تنظر إلى زاوية الغرفة وهي تبتسم بطمأنينة.
قالت لهم بنبرة طفلة راضية:
“بابا… الرجل الطيب حكالي.”
اقترب منها سامر بخوف:
“أي رجل يا مريم؟”
أشارت إلى الزاوية الفارغة تمامًا:
“اللي إجا يوصل ماما… قال لي ما رح نجوع بعد اليوم. قال لي رزقنا جاي… وكبير… وبيوصل قبل الفجر.”
لم يفهم سامر ما يجري، لكن صوت طرق عنيف على الباب قاطعهما.
فتح سامر الباب ليرى شاحنة كبيرة متوقفة أمام المنزل، ورجالًا ينزلون صناديق مليئة بالدقيق والرز والزيت والسكر… وكميات يستحيل أن يشتريها حتى لو عمل سنة كاملة.
على أحد الصناديق ورقة كُتب فيها بخط جميل:
“رزق من الله… لعبدٍ لم ييأس.
ومن يتوكل على الله فهو حسبه.”
سقط سامر على ركبتيه يبكي من شدّة الدهشة، وزوجته بجانبه تبكي دون توقف… بينما وقفت مريم عند الباب تقول بصوت خفيف:
“قلتلك يا بابا… ما كسر وعده.”
تلك الليلة… كانت بداية الرزق، وبداية السر، وبداية القصة التي لم تُروَ بعد.