قصة أعلن مدير شركة كبيرة عن وظيفة واحدة
وقف المدير قدّام الشاب الريفي، والكل منتظر يسمع القرار. ابتسم المدير ابتسامة صغيرة وسأل الشاب:
“ليش تصرّفت بهدوء وهيك رتّبت طبقك؟”
رفع الشاب عيونه للمرة الأولى، بنظرة فيها تعب سنين وشوية خجل. قال:
“إحنا في الريف بنحترم اللقمة… وبنحترم الناس. إذا دخلت دار حدا، ولو كان صاحبه زعلان، بتظل واجب الضيافة محفوظ. ما بستاهل أرمي شي انقدّم إلي… حتى لو ما كان طيب.”
سادت لحظة صمت ثقيلة، كأنها اختبار ثاني. بعض المتقدمين صاروا يتنحنحوا ويحاولوا يخفّوا الفوضى قدّامهم، لكن الأطباق الوسخة كانت شاهدة.
المدير أشار للسكرتير يقترب. همس له شي ما حدا فهمه، وبعدها قال بصوت مسموع:
“اختبار تاني… رح نعمله فوراً، قبل ما نعلن القرار.”
رفع الناس رؤوسهم من جديد. كان في توتر أعلى من الأول، لأن أغلبهم حسّوا إن الفرصة عم تنزلق من إيديهم. أما الشاب الريفي، فظل ثابت، كأنه مش داخل سباق أصلاً. خرج المدير وقال:
“عندي إشي مهم أشوفه… وراجع.”
مجرد ما سكّر المدير الباب، بدأ الهمس بين المتقدّمين. وحدة من الموجودات قالت:
“أكيد بده يشوف مين أحسن واحد من ناحية الشهادات… الريفي خلص انتهى.”
شاب ثاني ضحك وقال:
“هو شكله ضيف بالغلط.” ارتفعت الأصوات، وصار واضح إن الجو مشحون. وفجأة، وقف واحد طويل البنية، شكله واثق، وقال بصوت مسموع:
“ليش ما نحكي بصراحة؟ الوظيفة ما بتروح لحدا جاي بثوب بسيط… إحنا تعبنا على حالنا.”
التفتت الأنظار للشاب الريفي.
كان ممكن يمسك كلمتين ويرجع يسكت، بس هالمرة أخذ نفس وقال:
“اللبس ما بشتغل… الإنسان اللي بشتغل.”
الجملة وقعت عالقاعة مثل حجر. البعض غضب، والبعض استغرب جرأته، والبعض حسّ إنه لأول مرة هالشاب بهدوءه عم يفرض احترام معين.
قبل ما يكمل كلامه، فتح الباب بقوة.
دخل المدير ومعه موظف ثاني حامل أوراق كثيرة. قال المدير:
“هسا بلشنا بالاختبار الحقيقي.”
وقف المتقدمون. انشدت الرقاب نحو الأوراق.
المدير رفع ورقة وقال:
“في مشكلة بدائرة الموارد البشرية… وبدي أعرف مين فيكم بيعرف يتعامل مع أزمة بدون ما يصرخ، بدون ما يلوم، وبدون ما ينهار.”
نظر مباشرة للشاب الريفي، وبعدين لباقي المجموعة.
“الاختبار بسيط… لكنه ما بحتاج شهادات.”
قال المدير بصوت حازم:
“في موظف من الطابق الثاني فقد وعيه قبل شوي. بدنا ناس تساعد تنقله لغرفة الإسعاف بسرعة وهدوء.”
تجمّدت المجموعة.
ناس خافوا يشاركوا حتى ما يتحملوا مسؤولية، وناس وقفوا محتارين.
أما الشاب الريفي، أول ما سمع الكلمة، رمى أوراقه عالكرسي وتقدّم بدون تفكير.
قال:
“دلّوني عليه.” ركض معه اثنين فقط من أصل عشرين.
وصلوا لمكتب الطابق الثاني، ووجدوا الموظف مغمى عليه على الكرسي.
الشاب الريفي ما انتظر توجيهات. لف إيده من تحت كتف الرجل، وطلب من واحد يساعده من الجهة الثانية.
نزلوا السلالم بخطى ثابتة، بدون صراخ ولا توتر.
لما وصلوا لغرفة الإسعاف، كان المدير واقف عند الباب، كأنه بيراقب كل خطوة.ابتسم وقال:
“هيك بعرف مين بفكر بالبشر قبل ما يفكر بالوظيفة… ومين بشتغل بدون ما يستنى الأوامر.”وقف قدام الجميع وأعلن:
“الموظف الجديد… هو أنت.”
وأشار للشاب الريفي. ارتفعت همسات الدهشة، لكنه انحنى بخجل وقال:
“الفضل لله… وشكراً لإلكم.” المدير رد بابتسامة واسعة:
“من أول لحظة دخلت فيها… كنت واضح. الهدوء احترام. والترتيب مسؤولية. والمساعدة… إنسانية. وهي أهم من أي شهادة.”
وانتهى المشهد، لكن بالنسبة للشاب الريفي… كانت هاي بداية جديدة بالكامل، باب فتحته الأخلاق قبل الأوراق، والتصرف قبل الكلام.