قصة زهق من المشاكل… وبعد 20 سنة زواج، قرر يبعد

لمحة نيوز

وقف الزوج أمام باب غرفة النوم، يشعر أن الخطوات التي كان يقوم بها مجاملة تحولت مع الأيام إلى طقس غريب يحرّك داخله شيئًا كان يظنه مات. كانت زوجته تجلس على حافة السرير كل يوم بعد الغداء تنتظره بهدوء، وكأنها تعرف أنه سيأتي مهما كان غضبه أو بروده. ومع مرور الأيام، صار يلاحظ تفاصيل صغيرة لم يلتفت إليها منذ سنوات، كطريقة ضحكتها الخافتة، أو كيف ترتب شعرها قبل أن يقترب منها ليحملها. كان يشعر أن الزمن يعود خطوة صغيرة للوراء، كأنه يراهما شابين من جديد.

كان يرفعها بين ذراعيه ببطء، ليس لأنه يطيع طلبها، بل لأنه بدأ يشعر بأنها أصبحت أخف مما يجب. وزنها الذي كان يومًا ما ثابتًا صار يتلاشى، وملامحها التي كانت تتحدى الظروف صارت أكثر رقة من اللازم. وكلما سار بها نحو غرفتها، شعر بثقل آخر غير ثقل الجسد… ثقل الذنب. لماذا لم يرَ كل هذا من قبل؟ لماذا احتاجت أن تطلب شهرًا لتعيد له شيئًا كان ملكهما طوال العمر؟ كان يسأل نفسه بصمت ولا يجد جوابًا، وكل يوم كانت تلك الأسئلة تكبر داخله أكثر.

 

وبعد أسبوعين من الطقس اليومي نفسه، دخل البيت ليجدها تنتظره بوجه باهت لم يعد يخفي التعب. جلس إلى المائدة، لكنه لم يستطع أن يأكل مثل أولاده، كان مشغولًا بنظرتها التي كانت تخفي وجعًا كبيرًا. وبعد الغداء، عندما حملها كالعادة، شعر لأول مرة أن صدره ينقبض خوفًا. كانت أنفاسها خفيفة جدًا، ووجهها أقرب إلى ظل امرأة منه إلى صورة اعتادها. ومع ذلك ابتسمت له… تلك الابتسامة التي كسرت شيئًا عميقًا بداخله.

وفي تلك الليلة، لأول مرة، لم يخرج بعد أن وضعها في سريرها. جلس عند قدميها، ينظر إليها دون أن يعرف ماذا يقول. شعر أن الشهر الذي اعتبره مجاملة تحول إلى أكثر ثلاثين يومًا أثقل من سنوات زواجه كلها. أراد أن يسألها عن سر هزالها، عن صمتها، عن قوة غريبة تجعلها تبتسم بالرغم من كل شيء. لكنه لم ينطق، وكأن الكلمات تخونه كلما التقت عيناه بعينيها.

وفي منتصف الشهر، ظهر السر الذي كانت تخفيه.

في اليوم الخامس عشر، حين رفعها بين ذراعيه، لم تتشبث برقبته كما كانت تفعل. كانت يداها مرتخيتين، وكأن جسدها تعب من المقاومة. شعر بشيء يشبه الرعب يزحف في صدره، لكنه حاول أن يخفي اضطرابه وهو يمشي بها إلى الغرفة. وحين وضعها على السرير، جلس بجانبها لأول مرة دون أن يفكر في المغادرة. كانت تنظر إلى السقف بعينين غريبتين، عينان لا تبحثان عنه بل تبحثان عن شيء أبعد منه بكثير.

قال لها بصوت حاول جاهدًا إخفاء ارتعاشه: “إنتِ كويسة؟”
ابتسمت تلك الابتسامة التي كان يحبها بلا أن يدري، ثم قالت: “كويسة… يمكن أحسن من زمان.”
لكن صوتها كان ينفي كل ما قالته. كانت نبرة ضعيفة، واهنة، تشبه نسمة خفيفة تتحرك قبل أن تختفي بلا أثر. حاول أن يضغط عليها أكثر، لكنه وجد نفسه يخاف من الإجابة. لأول مرة خاف أن يسمع الحقيقة.

مرّ الوقت ببطء، وهو جالس بجانبها يراقب تفاصيل وجهها الذي صار شفافًا كأنه يُضاء من الداخل. شعر أنها تتلاشى أمامه، تتبخر مثل ذكرى كان يظن أنها ثابتة. وعندما مدّ يده ليلمس أصابعها، وجدها باردة قليلًا، لكن ابتسامتها لم تتغير. قالت: “عارفة إنك مش فاهم… بس هتفهم.” ثم أغلقت عينيها لتريح جسدها المنهك، تاركة وراءها سؤالًا يتردد في الغرفة مثل صدى لا ينتهي.

خرج من الغرفة بعد ساعة وهو يشعر أن شيئًا ضخمًا يقترب. شيء كان يجب أن يراه منذ سنوات لكنه تجاهله عمدًا. وفي الأيام التالية، صار يلاحظ أن ملابسها أصبحت واسعة عليها، وأن خطواتها تتباطأ، وأن صوتها حين تنادي أولادها صار أخفض من العادة. كان ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة، يرى بحّ صوتها حين تضحك، وانطفاء نور خفيف في عينها، وتغيّرات ما كانت لتفوت شخصًا يحبها… لو كان منتبهًا.

وفي اليوم الأخير من الشهر… كشفَت الحقيقة.

عاد من عمله ذلك اليوم، قبل العشاء هذه المرة، كأنه مدفوع بشعور داخلي لا يعرف سببه. وجد البيت هادئًا على غير العادة، والأولاد جالسين بصمت، وعيونهم قلقة بطريقة لم يفهمها فورًا. سألهم عن أمهم، فأشاروا إلى غرفتها دون كلمة. دفع الباب بيده بخوف لم يعرفه من قبل، ورآها تجلس على الكرسي قرب النافذة، تنظر إلى الخارج بابتسامة هادئة، وكأنها تتأمل آخر شمس في حياتها.

قالت دون أن تلتفت: “كنت مستنياك.”
اقترب بخطوات بطيئة، وجلس أمامها. نظر إلى وجهها، فرأى عليها ملامح إرهاق لا يخطئه قلب. قال لها: “في إيه؟ قوليلي.”
تنفّست بعمق، ثم قالت بصوت منخفض لكنه واضح: “أنا مريضة.”
تجمد. لم يفهم الكلمة في البداية، وكأن عقله رفض استقبالها. لكنها تابعت: “عندي مرض من فترة… وكنت بستنىك تحس… تشوف… تسأل.”
هنا شعر بصدمة تضربه من الداخل. قالت: “الشهر اللي طلبته منك… كان علشان أودّعك من غير ما أجرحك. علشان تفتكر إنك شيلتني… مش إنك سبتني.”

انفجرت دمعة من عينه، لم يستطع إيقافها. لأول مرة ينكسر أمامها، لأول مرة يشعر أنه كان غائبًا عن حياته، عن بيته، عن قلبها. قالت له وهي تنظر في عينيه: “أنا ما طلبتش غير يوم واحد من كل يوم… يوم يبقى فيه وجودك حقيقي.”
حاول أن يتكلم لكنه لم يجد صوتًا. أمسك يدها، ووضع رأسه عليها، وهو يشعر أن الأرض تنهار من تحته.

وفي تلك الليلة، ظلّ بجانبها حتى الفجر، يحتضن يدها كأنه يحاول أن يمنع الزمن من أخذها. لكن الحقيقة كانت واضحة… فقد كان الشهر الذي طلبته ليس مكافأة، بل فرصة. فرصة أخيرة لتُذكّره بمن كانت، وبمن كان يجب أن يكون.

تم نسخ الرابط