قصة كان زوجي يأخذ الأطفال دائما إلى منزل جدتهم
لم تستطع أمينة تجاهل ذلك الهمس الصغير الذي خرج من ابنتها، كان كفيلًا بقلب حياتها كلها رأسًا على عقب. طوال الطريق كانت يداها ترتجفان وهي تمسك المقود، تشعر كأن الهواء من حولها أصبح أثقل، وكأن كل صمت في السيارة يخفي خلفه حقيقة مظلمة تنتظر أن تنكشف. لم تكن تشك بميخائيل يومًا، لكن تلك الكلمة الصغيرة التي نطقتها آنا انهارت فوق قلبها كصخرة. ما معنى أن تكون “الجدة” رمزًا سريًا؟ ولأي شيء يستخدم هذا الرمز؟
عندما وصلت إلى منزل ديانا، جلست في سيارتها لدقيقة تحاول التقاط أنفاسها. البيت كان كما هو دائمًا، ذو الواجهة الهادئة والألوان القديمة التي اعتادت أن تراها منذ سنوات. لا شيء يوحي بأن خلف هذا الباب يمكن أن يوجد سرّ يخص أطفالها. لكنها مع ذلك شعرت أن شيئًا ما يُراقبها، كأن البيت نفسه يحاول إخبارها بأن ما ستكتشفه في الداخل لن يتركها كما كانت. شدّت حقيبتها على كتفها وتقدّمت خطوة بخطوة نحو الباب.
طرقت الباب بلطف، وانتظرت… ثم طرقت بقوة أكبر. لا صوت. لا خطوات. لا ضحكات أطفال. ازداد قلبها خفقانًا وهي تدور حول المنزل بحثًا عن أي نافذة مفتوحة. وفي الخلف، وجدت باب المطبخ مواربًا وكأن أحدهم خرج على عجلة. دقّقت النظر قليلًا قبل أن تدفعه ببطء وتدخل. ما إن وطأت قدماها البلاط حتى تجمّدت، فهناك على الطاولة كانت ثلاثة أكواب شوكولاتة ساخنة… جميعها ما زالت تبخر، وكأن أحدهم كان هنا قبل دقائق فقط. ولكن أين ذهبوا جميعًا؟
وقفت أمينة في منتصف المطبخ تحاول تجميع أفكارها، وبدأت تنادي أسماء أطفالها علّهم يجيبونها من إحدى الغرف. لكن البيت كان صامتًا صمتًا مخيفًا، وكأن الحياة قد اختفت منه. أخيرًا اتجهت نحو غرفة المعيشة، وعندما فتحت الباب، رأت شيئًا غريبًا على الفور: حقيبة صغيرة وردية لابنتها آنا، تلك التي لا تفارقها أبدًا، ملقاة تحت الطاولة دون ترتيب. حملتها ببطء، وشعرت بداخلها ورقة مطوية بدقة… ورقة لم تكن هناك عندما غادرت آنا المنزل في الصباح.
وقفت وهزّت الورقة بين يديها، وخوف غير مسبوق يضغط على صدرها، فهي تعلم أن فتحها قد يغيّر كل شيء. لكنها تعلم أيضًا أنها لا تملك خيارًا آخر. فكل التفاصيل التي شاهدتها منذ دخولها البيت، من الأكواب الساخنة إلى الباب المفتوح، تقول إن شيئًا أكبر بكثير يحدث خلف ظهرها. بخوف ثقيل، فتحت الورقة أخيرًا، وعيونها بدأت تتسع شيئًا فشيئًا وهي تقرأ الكلمات المكتوبة بخط صغير ومتسرّع.
كانت الكلمات المكتوبة داخل الورقة بسيطة لكنها مرعبة في معناها: “ماما… إذا شفتي الورقة دي، يبقى بابا مش رايح عند جدتنا. هو بياخدنا مكان تاني. ما تقدريش تعرفي… بس لازم تجي بسرعة”. تجمّدت أمينة في مكانها وهي تحاول فهم الرسالة، فخط آنا المرتب تحول فجأة إلى حروف مضطربة وكأن طفلة صغيرة كانت تكتب وهي ترتجف. هذا وحده كان يكفي ليقلب قلب أي أم، فكيف إذا كان المتهم زوجها الذي عاشرته سنوات؟ شعرت أمينة بأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة.
وضعت الورقة في حقيبتها وانطلقت تفتش المنزل غرفة غرفة، تبحث عن أي دليل يفسّر ما كان يحدث. لكن كل شيء كان مرتبًا أكثر من اللازم، كأن أحدهم حرص على مسح كل أثر. دخلت غرفة الجدّة أخيرًا، وهناك وجدت شيئًا آخر أثار شكوكها: سرير غير مرتب، وبجانبه حقيبة مفتوحة مليئة بثياب أطفال وألعاب صغيرة وكأنها تجهيزات لرحلة. لم يُخبرها أحد عن أي رحلة، ولم تكن حماتها في وضع يسمح بالسفر أصلًا. عند هذه النقطة، بدأت أمينة تشعر بأن الأمر ليس مجرد كذبة… بل مخطط طويل.
وقفت أمام الخزانة الخشبية الكبيرة، وترددت قليلًا قبل أن تفتحها. لكنها عندما فعلت، سقطت على الأرض دفتر صغير من الرف العلوي. التقطته بيد مرتجفة وفتحته عشوائيًا، لتجد أن الصفحات مليئة بملاحظات مكتوبة بخط زوجها. كانت تواريخ ومواعيد وأسماء أماكن لم تسمع بها من قبل. بعضها بدا كأنه عناوين، وبعضها كأنه نقاط لقاء. لم تفهم شيئًا في البداية، لكن ما شد انتباهها هو تكرار جملة واحدة في كل صفحة تقريبًا: “يوم السبت… الخطة تمشي مثل ما نريد”.
اقتربت من النافذة، تحاول تهدئة نفسها وهي تقرأ التواريخ مرة أخرى. كل سبت خلال الأشهر الماضية كان مذكورًا في الدفتر. لم تستطع تجاهل شعور الرعب الذي بدأ يسيطر على جسدها كله. هل كان ميخائيل يخدعها طوال هذا الوقت؟ هل كانت حماتها تعلم؟ وهل كان أطفالها في خطر حقيقي طوال تلك الأشهر؟ كانت تشعر بالدوار، كأن العالم من حولها ينهار، لكنها لم تكن تسمح لنفسها بالسقوط. ليس الآن. ليس قبل أن تجد أطفالها.
أغلقت الدفتر بقوة ووضعت يدها على قلبها وهي تلتقط أنفاسها. نظرت إلى الساعة لتكتشف أن الوقت مرّ بسرعة، وأن ميخائيل لم يعدّ يتصل ولم يرسل أي رسالة. هذا وحده كان مؤشرًا خطيرًا. أمسكت هاتفها وحاولت الاتصال بآنا… لا رد. حاولت الاتصال بفانيا… الهاتف مغلق. وأخيرًا اتصلت بميخائيل لكنه أيضًا لم يجب. في تلك اللحظة، أصبح الخوف يقينًا داخلها، ولم تعد قادرة على إنكار الحقيقة التي كانت تخشاها طوال الأسابيع الماضية.