قصة الراجل دا وقف داخل المسجد وزعق أثناء الصلاة
تجمّد المصلّون في أماكنهم، والصدمة تعلو وجوههم، بينما كان صوت الرجل يعلو في المسجد رغم محاولته السيطرة على دموعه. لم يكن المشهد مألوفًا؛ رجل منهار يصرخ فوق جثمان ميت، يقسم بالله أنه ظُلم، وأن هذا الظلم أكله حيًّا ثمانية أعوام كاملة. الدموع انحدرت من عينيه بسرعة، لكنها لم تطفئ شيئًا من النار المشتعلة في صدره.
كان يحاول أن يقف بثبات لكنه لم يستطع، فظهر كأنه رجل خارت قواه من طول الألم. لم يكن يتحدث من غضب لحظي، بل من حزن تراكم داخله حتى تحوّل لشيء يشبه اللوعة التي لا علاج لها. حكايته كانت أكبر من مجرد مبلغ مالي، كانت جراحًا عمرها سنوات، تآكل فيها قلبه وكرامته وطمأنينته. وكل كلمة خرجت من فمه خرجت من جرح لم يُغلق يومًا.
بعد انتهاء صرخته، وقف بضع ثوانٍ ينظر إلى الجثمان كأنه يراه للمرة الأخيرة، ليس كميت، بل كقصة ظلمه وحكايته المعطلة. حاول بعض الرجال تهدئته، لكن صوته كان أعلى من محاولاتهم. قال لهم إنه ذهب لأهل المتوفى مرات عديدة قبل موته، ولم ينصفه أحد، ولم يعترف أحد بالحق. أصبح ظلمه جزءًا من يومياته، يحمله معه في نومه وصحوته.
بدأ يتحرك نحو الباب، خطواته ثقيلة، كأنه يغادر ثمان سنوات دفعة واحدة. حاول البعض أن يمنعه، أن يجلس معه، أن يفهم القصة كاملة، لكنّه أصرّ على المغادرة. قال إنه لم يعد يريد مالًا، بل يريد حقه فقط أمام الله. خرج من المسجد ودموعه تسبق خطواته، كأن الألم يدفعه دفعًا إلى خارج المكان.
لكن ما إن خرج من باب المسجد حتى حدث أمر لم يتوقعه أحد.
ما إن خطا الرجل خارج المسجد بثوانٍ قليلة حتى ظهر شاب يركض بلهفة، يتجاوز الرجال ويقف يلهث أمام الجثمان قبل أن ينهار على ركبتيه. كان وجهه شاحبًا، وكأنه فقد روحه مع موت الرجل الممدّد أمامه. اقترب منه الناس ليعرفوا من يكون، لكنه رفع رأسه وقال بصوت مخنوق هذا أبي ثم انفجر في بكاء موجع. كان بكاؤه صادقًا، عميقًا، مختلفًا تمامًا عن صراخ الرجل الذي غادر. بدا كأنه يحمل عبئًا قديمًا هو الآخر.
بعد لحظات، حاولوا تهدئته، لكنه همس بصوتٍ يكاد لا يُسمع أبي كان يحاول يُصلّح غلطته قبل ما يموت. ارتجف الناس من المفاجأة. أضاف الشاب كان بيدوّر على الراجل من شهور كان ناوي يرجّع له فلوسه، بس المرض داهمه. لم يصدق الحاضرون ما يسمعون؛ كانوا بين رجل مكلوم يطلب عدل السماء، وبين ابن يتحدث عن توبة متأخرة. وقف الرجال مذهولين، لا يعرفون هل يبلغون الرجل أم يتركونه لقدر الله.
هدأ الشاب قليلًا ثم أخرج من جيبه ورقة مطويّة. فتحها بيدين مرتعشتين، وقال دي الوصية مكتوب فيها المبلغ بالكامل وأمر واضح بإرجاعه. سقطت الكلمات كالصاعقة على الحاضرين، بعضهم أمسك رأسه، وبعضهم تمتم يا رب رحمتك. بدا أن الحق كان سيعود، لكن الموت سبق الجميع. الرهبة والذهول عمّا حدث جعلت الجو داخل المسجد متوتّرًا وصامتًا بشكل غريب.
وقف أحد كبار السن وتنفّس بعمق قبل أن يقول لازم نلحق الراجل قبل ما يمشي، لازم يعرف الحقيقة. تحرك عدد من الرجال مسرعين خارج المسجد يحاولون اللحاق بالرجل المنهار. كانت خطواتهم متسارعة، وكان القلق يركض في عيونهم قبل أرجلهم. اللحظة بدت كأنها سباق بين القدر وبين فرصة أخيرة لتهدئة قلبٍ انكسر لثمان سنوات.
لكن هل لحقوه؟
خرج الرجال مسرعين يبحثون عنه في الشارع، ينادون عليه بأعلى ما يستطيعون. كان الشارع مزدحمًا، والشمس بدأت تميل نحو الغروب، لكن أحدهم لمّح الرجل واقفًا بجوار عمود كهرباء، ينظر إلى الأرض، ممسكًا رأسه بيديه. اقتربوا منه بسرعة وأخبروه أن يعود، أن يسمع شيئًا مهمًا للغاية، شيئًا سيغيّر كل شيء. رفع رأسه ببطء، ودموع جديدة تسيل من غير توقف.
قال لهم بصوت مكسور مفيش حاجة هترجع اللي راح قلبي اتكسر خلاص. لكن أحد الرجال أصر قائلًا ابن الراجل جوا.. ومعاه وصية.. أبوّه كان ناوي يرجع لك فلوسك. في تلك اللحظة تجمّد الرجل، ارتعشت يده، وكأن الأرض مالت تحته. وقف لثوانٍ لم يتحرك، وكأن الكلمات دخلت قلبه مباشرة دون استئذان. حاول أن يتنفس لكنه لم يستطع، كانت الصدمة ثقيلة جدًا عليه.
عادوا
به إلى المسجد، وعيناه كانت تبحثان عن الشاب الذي جلس قرب الجثمان. اقترب الرجل ببطء، ثم وقف أمام الابن، الذي رفع رأسه وهو يبكي. قال الابن أبي غلط بس كان ناوي يصلّح أقسم بالله يا عم. سقطت يد الرجل على صدره كأنه تلقّى ضربة. كان يريد أن يغضب، أن يصرخ، لكن الكلمات لم تخرج.
وقتها، حدث شيء لم يكن في الحسبان
وقع الرجل مغشيًا عليه أمام الجميع، وسقطت الورقة من يد الشاب على الأرض. تحلق الناس حوله، خايفين أن يكون قلبه لم يتحمل. وكانت المفاجأة الأكبر حين رفعه المسعفون وقالوا
الراجل عنده انهيار عصبي حد ولو اتأخر دقيقة كان هيحصل الأسوأ.
كانت العدالة قد وصلت لكنها وصلت متأخرة جدًا على قلب لم يعد يحتمل.