لم يكن أحد يستطيع الاقتراب من الطفل المليونير
لم يكن أحد يستطيع الاقتراب من الطفل المليونير إلى أن فعلت خادمة شيئًا لم يجرؤ أحد على تجربته.
على قمة تلةٍ منعزلة، تحيط بها أشجار قديمة تصدر صريرًا مع هبوب الرياح، كانت تقف قصرٌ ضخم لدرجة أنه من بعيد كان يبدو كفندقٍ مهجور. بوابات حديدية، وكاميرات في كل زاوية، وبابٌ ثقيلٌ جدًا لدرجة أن صوته كان يتردد في أرجاء الوادي كلما فُتح.
هناك كان يعيش أدريان.
طفلٌ في التاسعة من عمره، كان الجميع في المدينة يطلقون عليه لقب الطفل المليونير.
والده، إستيبان فالفيردي، كان اسمًا يظهر باستمرار في مجلات الأعمال. بدلات أنيقة، ابتسامة مثالية، ومالك فنادق وشركات تكنولوجية، إضافة إلى مجموعة من السيارات الفاخرة التي كانت تلفت الأنظار في أي شارع تمر فيه.
من الخارج، كانت حياة أدريان تبدو كأنها حلم.
لكن داخل تلك الجدران العالية لم يكن يسود سوى الصمت.
ووحدةٌ ثقيلة، كأنها تسكن كل غرفة في القصر.
كل شيء تغيّر في اليوم الذي توفيت فيه والدته في حادث.
منذ ذلك الحين، لم يعد أدريان يتكلم.
لم يضحك.
لم يلعب.
ولم ينظر إلى أحد في عينيه.
كان يختبئ خلف الستائر السميكة، وكأن العالم كله يخيفه. أي صوتٍ مرتفع كان يجعله ينكمش. وإذا حاول أحد الاقتراب منه كان يبتعد ببساطة، وكأن اللمس البشري يحرقه.
مرّ على القصر أفضل الأطباء في البلاد.
أطباء نفسيون.
معالجون.
متخصصون في علاج الأطفال.
جميعهم وعدوا بالمساعدة.
وجميعهم تقاضوا مبالغ طائلة.
لكنهم جميعًا غادروا في النهاية مهزومين أمام العدو نفسه
صمت الطفل.
ومع مرور الوقت، بدأت الشائعات تنتشر.
كان موظفو القصر يقولون إنهم يسمعون ليلاً بكاء امرأة في الممرات. وبعضهم أقسم أن ذلك روح والدة أدريان تتجول في المنزل.
لم تكن المربيات تبقين طويلاً.
إحداهن غادرت في اليوم الثاني.
أخرى ادعت مرضًا طارئًا.
وثالثة خرجت باكية دون أن تأخذ حتى راتبها.
لأن ذلك المنزل، رغم فخامته كان يشعر الجميع فيه بالحزن.
بالثقل.
وكأنه ملعون.
حتى جاء صباحٌ وقفت فيه أمام البوابة الضخمة امرأة تُدعى كلارا.
لم تكن ترتدي ملابس أنيقة.
فستان بسيط، حذاء مهترئ، وحقيبة صغيرة كانت تضغطها إلى صدرها كأنها تحمل فيها كل ما تملك في الحياة.
لم تكن طبيبة نفسية.
ولا تملك أي شهادات.
بل لم تكن تبدو معتادة على أماكن كهذه.
كانت مجرد خادمة تبحث عن عمل لتدفع تكاليف علاج ابنتها المريضة.
نظر إليها كبير الخدم من رأسها إلى قدميها بازدراء واضح.
وقال متذمرًا
هذا المكان ليس لأي شخص حتى المحترفات لا يصمدن هنا.
لكن إستيبان، المنهك واليائس، وافق على توظيفها.
ليس لأنه آمن بها.
بل لأنه لم يعد يعرف ماذا يفعل.
قال لها ببرود
فقط نظفي الجناح الذي ينام فيه ابني.
لا تتحدثي معه.
لا تحاولي الاقتراب منه.
ادخلي، نظفي، واخرجي.
لم يخبرها أحد أن أدريان لا يسمح لأحد بدخول مساحته.
ولم يحذرها أحد من الألم الذي يحمله ذلك الطفل.
في اليوم الأول الذي دخلت فيه كلارا غرفته بدا الهواء مختلفًا.
ألعاب باهظة الثمن مغطاة بالغبار.
ستائر مغلقة.
ضوء الشمس محجوب.
كأن الزمن توقف هناك.
وفجأة شعرت بشيء.
نظرة.
استدارت ببطء.
ورأته.
طفلٌ نحيف، منكمش في زاوية مظلمة، يحتضن ركبتيه ويراقبها بعينين واسعتين مليئتين بالخوف.
ارتجف قلب كلارا قليلًا.
لكنها لم تخف.
ابتسمت بلطف وقالت بهدوء
مرحبًا يا صغيري لن أزعجك، أنا فقط هنا لأُنظف قليلًا.
لم يرد أدريان.
أنزل رأسه واحتضن نفسه أكثر.
لم تُصرّ كلارا.
لم تقترب.
لم تطرح أسئلة.
بدأت فقط في التنظيف.
وأثناء مسحها الغبار عن الأثاث بدأت تدندن لحنًا هادئًا.
أغنية قديمة.
كانت أمها تغنيها لها عندما كانت طفلة.
ملأت النغمة الغرفة كنسيمٍ دافئ.
ذكرى ليالٍ بسيطة.
بيوت متواضعة مليئة بالمحبة.
وفجأة
سمعت كلارا شيئًا.
صوتًا خافتًا جدًا لدرجة أنها ظنت للحظة أنها تخيلته.
توقفت.
واستدارت ببطء.
ثم رأته.
لم يعد أدريان ينظر إلى الأرض.
كان ينظر إليها.
بعينين مفتوحتين وتعابير لم يرها أحد منذ سنوات.
ارتجفت شفتاه.
كأنه على وشك