طفل المليونير كان يصرخ من الألم بلا سبب… حتى اكتشفت الممرضة شيئًا “مستحيلًا” في رأسه!
كان الطفل ماتيو يبكي ليس بكاء دلعٍ ولا بكاء خوفٍ عابر، بل بكاءٌ طويلٌ متصلٌ يقطع صمت البيت الفخم كما يقطع السكينُ الهواء.
ثلاثة أسابيع كاملة، لم ينم خلالها إلا دقائق متفرقة، ولم تهدأ خلالها دموعه إلا لتعود أشدّ وأقسى.
في كل مرة كان يضع كفّيه الصغيرتين على رأسه ويهزّه بعجزٍ، كأن الألم يسكن داخله ولا يريد الرحيل.
في أعلى الطوابق، داخل بنتهاوسٍ في حيّ راقٍ من مكسيكو سيتي، كانت النوافذ الزجاجية الضخمة تتلقى المطر كما تتلقى قلوب البشر خيباتها بطرقٍ متتابعٍ لا يتوقف.
أما في الداخل فكان كل شيءٍ يلمع الرخام، الثريات، الأثاث الباهظ لكن اللمعان كله لم يستطع أن يخفي شيئًا واحدًا اليأس.
وقف سيباستيان مونتالڤو في مكتبه وهو يضغط على الهاتف حتى بيضّت مفاصله.
كانت المدينة في الخارج تتوهج بالأضواء، لكن داخله كان مظلمًا كغرفةٍ بلا باب.
قال بصوتٍ مبحوحٍ وهو يزمجر في الهاتف
لا يهمني كم سيكلف! أريد أفضل طبيب أعصاب في البلاد هنا غدًا صباحًا ابني يبكي منذ ثلاثة أسابيع بلا توقف!
ثم أغلق المكالمة بعصبية، ومسح وجهه بيديه كما لو أن بإمكانه مسح الحقيقة أيضًا.
كان سيباستيان رجلًا اعتاد أن يشتري الحلول.
بنى إمبراطورية عقارية ضخمة، واعتاد أن تفتح له الأبواب قبل أن يطرقها.
لكنه أمام دموع ابنه كان عاجزًا كأي أبٍ بسيط لا يملك سوى قلبٍ يرتجف.
دخلت زوجته صوفيا المكتب بهدوءٍ متصنّع، تحمل كأسًا من عصيرٍ داكن، ترتدي ثوبًا أنيقًا يفوح منه العطر والثقة.
لكن عينيها كانتا باردتين على نحوٍ لا يطمئن.
قالت ببرودٍ مزعج
اثنا عشر طبيبًا يا سيباستيان ربما عليك أن تتقبل أن الطفل مجرد حساس أو أنه يبالغ.
التفت إليها سيباستيان كأن الكلمات صفعة.
يبالغ؟! هل تسمعينه؟ هذا ليس بكاء طفلٍ مدلّل هذا بكاء ألم.
اقتربت صوفيا خطوة، وارتسمت على فمها ابتسامةٌ خفيفة تشبه اللامبالاة أكثر مما تشبه الحنان
أحيانًا، كل ما يحتاجه الطفل هو حزم أي مربية جيدة تضبطه.
ارتجف صوت سيباستيان وهو يرد
أنا لا أبحث عن شخصٍ يضبطه أنا أبحث عن سببٍ ينقذه.
في تلك اللحظة، دخل إميليانو كبير الخدم، رجلٌ تجاوز الستين، يعمل لدى العائلة منذ عقود.
كان يحمل قلقًا صادقًا على وجهه.
قال باحترام
سيدي وكالة التمريض أرسلت مرشحة جديدة لرعاية الطفل. تقول إنها ممرضة أطفال، ولديها خبرة مع حالات حساسة.
تمتمت صوفيا بسخرية وهي ترفع حاجبها
مرشحة جديدة؟ كم بقي؟ الثامنة عشرة؟
تنهد إميليانو
سبع عشرة مربية تركن العمل خلال أيام وبعضهن خلال ساعات.
رفع سيباستيان رأسه، وعيناه تلتقطان في البعيد صراخ ماتيو الذي يزداد في الطابق العلوي كأنه يردّ عليهم.
قال أخيرًا
أدخلوها.
بعد دقائق دخلت امرأةٌ في منتصف الثلاثينات.
شعرها أسود مضفور، بشرتها قمحية فاتحة، ملامحها بسيطة لكنها قوية.
كانت ترتدي ملابس نظيفة بلا مبالغة، وفي عينيها شيءٌ لا يُشترى ثبات.
قالت بهدوء
مساء الخير أنا فالنتينا ريّس، ممرضة أطفال.
قهقهت صوفيا بضحكة قصيرة
ريّس؟ ومن أين أنتِ؟
أجابت فالنتينا دون تردد
من حيّ شعبي لكنه علّمني أمرًا مهمًا أن أميّز بكاء الطفل الحقيقي من أول نبرة.
تبدلت ملامح سيباستيان قليلًا.
كان يبحث عن أملٍ بأي شكل.
قال
هل تستطيعين رؤيته الآن؟
احتجت صوفيا
إنه وقت متأخر!
ردت فالنتينا بنبرةٍ هادئة لكنها حاسمة
الألم لا يعرف الساعة، سيدتي ومن صوت الطفل، يبدو أنه لم يرتح منذ أيام.
أشار سيباستيان إلى إميليانو
اصطحبها إليه.
صعدوا الدرج الطويل في صمتٍ ثقيل.
وكلما اقتربوا كان الصوت يزداد.
صوت طفلٍ صغير يطلب النجدة دون أن يعرف كيف يشرح.
عندما فتحوا باب غرفة ماتيو، اتسعت عينا فالنتينا.
الغرفة كانت كبيرة جدًا، أشبه بشقة ألعاب باهظة، سرير على شكل سيارة سباق، رسومات أبطال على الجدران
وفي وسط كل ذلك، كان ماتيو منكمشًا على سجادة ناعمة، عيناه محمرتان من كثرة البكاء، ويداه تشدان شعره وكأنه يحاول إخراج شيءٍ من رأسه.
همست فالنتينا بحنانٍ تلقائي
يا روحي
جثت قربه ببطءٍ شديد حتى لا يفزع.
وقالت له بصوتٍ يشبه غطاءً دافئًا
أنا فالنتينا هل تسمح لي أن ألمس رأسك قليلًا؟ سأكون لطيفة أعدك.
رفع ماتيو عينيه إليها.
كانتا عينين خضراوين جميلتين، لكنهما مرهقتان.
وبشكلٍ مفاجئ أومأ.
حبس سيباستيان أنفاسه.
كان يرى عشرات الأطباء يمسكون ماتيو ويفحصونه لكن الطفل لم يثق بأحد مثلما وثق بهذه المرأة في أول دقيقة.
بدأت فالنتينا تمرر أصابعها برفق على فروة رأسه، سنتيمترًا سنتيمترًا.
كانت تفعل ذلك كما يفعل شخص يبحث عن شيءٍ صغيرٍ جدًا لكنه مهمٌ جدًا.
وفجأة توقفت.
لم يكن توقفًا عابرًا.
كان توقفًا يشبه لحظة اكتشافٍ تغيّر مسار حياة.
قالت بصوتٍ منخفض لكنه مشدود
سيدي مونتالڤو أحتاج ضوءًا قويًا وشيئًا للتدقيق.
اقترب سيباستيان خطوة
ماذا وجدتِ؟
نظرت فالنتينا إلى الطفل ثم إلى الأب.
وقالت بحذر
لا أريد أن أستبق الأمور لكن هناك شيء هنا شيء لا يجب أن يكون موجودًا.
أحضر إميليانو مصباحًا قويًا وأداة تدقيق صغيرة كانوا يستعملونها للوثائق.
سلطت فالنتينا الضوء خلف أذن ماتيو اليمنى، وحرّكت خصلات الشعر بعناية.
ثم تغيّر وجهها كليًا.
كان في عينيها ذهولٌ لا يمثل ثم غضبٌ مكتوم.
تمتمت
يا إلهي
صرخ سيباستيان بقلق
قولي! ماذا هناك؟!
قالت فالنتينا بصوتٍ ثابت رغم رجفته
هناك أجسام صغيرة جدًا دقيقة عالقة قرب سطح الجلد، مخفية تحت الشعر وتبدو أنها سبب
الألم.
سادت لحظة صمتٍ تام.
حتى ماتيو خف بكاؤه لحظة، كأنه يشعر أن الحل اقترب.
قالت صوفيا بسرعة
هذا مستحيل! الأطباء فحصوه!
أجابت فالنتينا دون أن ترفع عينها عن المكان
بعض الفحوصات تركز على ما في الداخل أما الأشياء الصغيرة المخفية قرب السطح فقد تمرّ دون انتباه خصوصًا إن كانت مدروسة الإخفاء.
ابتلع سيباستيان ريقه.
كان قلبه يطرق صدره بعنف.
وأضافت فالنتينا بوضوحٍ مرعب
سيدي هذا لا يحدث صدفة. لا يمكن أن يظهر وحده. هناك من تسبب به.
تراجع سيباستيان خطوة، كأن الغرفة ضاقت فجأة.
من؟! مستحيل نحن في بيتنا لا أحد
قاطعته فالنتينا بهدوء
أفهم صدمتك. لكن الآن أهم شيء هو الطفل. إن سمحت يمكنني إزالة ما يسبب الألم، لكن أحتاج أدوات نظيفة وإضاءة جيدة والأهم
أريد أن يبقى الأمر بيننا الآن، حتى نفهم الصورة.
تدخل إميليانو بصوتٍ خافت
سيدي هذا أمر خطير ربما يجب إبلاغ الجهات المختصة فورًا.
رفع سيباستيان يده بتوتر
ليس الآن ليس قبل أن أفهم كيف حدث هذا ومن كان قريبًا منه.
لم تكن قراراته دائمًا صائبة، لكنه كان خائفًا على ابنه، وعلى سمعته، وعلى انهيار كل شيء
والخوف قد يجعل الإنسان يمسك الحقيقة بيدٍ مرتجفة.
أحضر إميليانو الأدوات المطلوبة.
وجلست فالنتينا قرب ماتيو، تمسك يده الصغيرة وتقول له
اسمعني يا بطل قد يزعجك الأمر قليلًا، لكن بعدها سترتاح.
سألها ماتيو بصوتٍ مكسور
هل سيؤلمني مثل المرة التي صار فيها؟
تجمدت الكلمات في الهواء.
نظر سيباستيان إلى ابنه كأن الأرض انشقت تحت قدميه.