قصة اللي ساكن فيها .. من حكايات زهرة الربيع
سودة في السقف.
وقفت مكاني مسمر، باصص للفراغ الضلمة اللي فوق.. مش شايف حاجة.
الأسطى رجب وقف وطلع كشاف صغير من جيبه.
استنى أما أشوف لك إيه اللي فوق ده.
ضرب الكشاف جوه..
وفجأة.. ثبت.
ماتحركش.. ولا نطق.. ولا حتى رمش.
بس الكشاف في إيده كان بيترعش رعشة خفيفة.
ثانية.. اتنين.. عشرة..
يا أسطى رجب؟ ندهت عليه.
مردش.
يا أسطى، في إيه؟ شفت إيه؟
اتلفت لي فجأة، ووشه كان لونه مخطوف.. عينه مليانة رعب مش طبيعي.
بلع ريقه بصعوبة.. فتح بقه يحاول يتكلم، بس صوته مطلعش.
نزل الأسطى رجب من على السلم بخطوات مهزوزة، لدرجة إنه كاد يقع لولا إنه ساند على الحيطة. وشه اللي كان أسمر من الشمس بقى لونه أصفر باهت زي الورق القديم. لم عدته في الشنطة بإيد بتترعش، وعينه مش مفارقة الفتحة اللي في السقف.
أنا ماشي يا أستاذ يحيى.. فلوسك أهي، مش عايز منها مليم، بس اعتبرها نصيحة لوجه الله.. سيب الشقة
دي الليلة، وما تباتش فيها دقيقة واحدة!
قال الكلمتين دول وجري على باب الشقة وكأنه بيهرب من عزرائيل، سابني واقف في نص الأوضة، والسكوت اللي حل فجأة كان أتقل من الحرارة نفسها. بصيت للسلم الألمونيوم اللي لسه واقف في نص الأوضة، وبصيت للفتحة السوداء اللي بتبص لي زي عين عملاقة.
الظلام اللي فوق السقف الساقط مكنش ظلام عادي، كان تحس إنه كتلة سوداء ليها وزن. سحبت الكشاف اللي وقعه الأسطى رجب من الخضة، ورجلي بتترعش طلعت السلم درجة درجة. كل ما بطلع لفوق، الحرارة بتزيد بشكل مرعب، مش حرارة شمس، دي كانت حرارة أنفاس.
وصلت لآخر درجة، وبقيت موازي للفتحة. ريحة الكمكمة بقت ريحة حاجة شايطة، ريحة لحم بيتحرق ببطء. وجهت الكشاف جوه الفراغ.. وفي أول ثانية، مكنتش فاهم أنا شايف إيه.
كان فيه فرشة كاملة محطوطة فوق الجبسن بورد، هدوم قديمة ومهلهلة، وكتب ورقها دايب، بس مش ده اللي جمد الدم في عروقي. في ركن الفراغ، فوق التكييف الجديد بالظبط، كان فيه شخص قاعد.. أو ده اللي افتكرته في الأول.
كان كيان نحيف جداً، جلده لازق على عضمه لدرجة إنك تقدر تعد فقرات ضهره، لون جلده كان رمادي غامق كأنه متغطي بالرماد. الكيان ده كان قاعد متربع، وحواليه دايرة من الشموع السوداء اللي مخلصتش، والحرارة كلها كانت طالعة منه هو! كان عامل زي دفاية
بشرية بتشع صهد يحرق الروح.
لما ضوء الكشاف جه على وشه، لف راسه ببطء.. ببطء مرعب. مكنش ليه عينين، كان مكانهم تجويفين غارقين في السواد، بس كان شايفني. فتح بقه اللي كان عبارة عن شق مشقوق لحد ودانه، وطلع منه صوت فحيح زي غليان الزيت
لسه بدري.. لسه الأوضة مابقتش جاهزة.
في اللحظة دي، شفت الترمومتر الديجيتال اللي على الحيطة من بعيد، الأرقام بدأت تجري جنون 40.. 45.. 50.. وبدأ البلاستيك بتاع التكييف الجديد يسيح وينقط على الأرض زي الدموع.
عرفت وقتها إن الأربعة تكييفات اللي باظوا مكنش عيب صناعة.. الكيان ده كان بيمتص البرودة عشان يغذي النار اللي جواه. رميت الكشاف وجريت، نزلت السلم في خبطة واحدة، وخرجت من باب الشقة بالهدوم اللي عليا.
وأنا بقفل الباب، سمعت صوت ضحكة مكتومة طالعة من سقف الأوضة، وصوت تكة الترمومتر وهو بيتحرق من كتر السخونية. نزلت الشارع وأنا بلهث، وبصيت لفوق على شباك أوضتي.. شفت دخان أبيض خفيف طالع من الشباك، بس الجيران كانوا ماشيين عادي، محدش حاسس باللي بيحصل، لأن النار دي كانت ناري أنا وحرارتها ليا أنا لوحدي.
من يومها وأنا ساكن في فندق، مش قادر أقرب من الشارع كله، وكل ما حد يسألني سيبت الشقة ليه، بفتكر الكيان الرمادي وهو متربع فوق راسي، وبفتكر الكلمة اللي قالها لسه مابقتش جاهزة.
. والسؤال اللي بياكل عقلي دلوقت هو كان بيجهز الأوضة.. لمين؟