ابني رجع بعد سنتين من دفنه… طرق الباب وقال: ماما، أنا رجعت البيت!

لمحة نيوز


في وقت وفاة ابنك كان هناك تحقيق بشأن خرق في مشرحة الولاية. سجل فقدان بعض الجثامين.
حدقت فيها بذهول.
قلت أنتم تقولون إنني دفنت طفلا آخر.
أومأت ببطء.
نعتقد أن إيفان أخذ قبل وصوله إلى المشرحة بواسطة موظف في المستشفى. ممرضة مرتبطة بامرأة تدعى ميليسا.
شعرت بالغثيان.
قلت قال إنه كان مع امرأة لم يرد أن أتصل بها.
قالت المحققة
ميليسا فقدت طفلها منذ سنوات. كان اسمه جونا. بنفس عمر إيفان. انهارت بعدها نفسيا.
عادوا ليسألوا إيفان عنها.
جلس قرب المحققة ممسكا بيدي.
قال كانت تناديني جونا عندما تكون سعيدة وبإيفان حين تغضب.
وعندما سئل عن كيف وصل إلى منزلي الليلة قال
الرجل الذي كان يعيش معنا. كان يصرخ كثيرا. قال إن ما فعلته خطأ. وضعني في السيارة وقال سنذهب إلى أمك الحقيقية.
سألوه عن اسمه.
العم مات قال. لكنها كانت تسميه غبيا أكثر.
ثم سألني بخوف
هل أنا في ورطة لأنني ذهبت معها
ضممته وقلت
أبدا. لم تخطئ. الكبار هم من أخطأوا.
حاولت خدمات حماية الطفل أخذه مني إلى أن يستكمل التحقيق.
فانفجرت.
قلت لقد فقدتموه مرة. لن أفقده أنا مرة أخرى.
أيدتني المحققة هاربر بحزم فسمحوا له بالعودة معي تحت المراقبة.
في السيارة جلس في المقعد القديم الذي لم أستطع التخلص منه يوما.
سأل بصوت خافت
هل بابا هنا
كدت أختنق.
بابا مع الملائكة قلت. مرض بعد رحيلك. توقف قلبه.
حدق من النافذة.
كان يظن أنني هناك قال.
عندما وصلنا البيت
لمس الجدران والأثاث وكأنه يتأكد أن المكان حقيقي.
تقدم نحو الرفوف ومد يده دون أن ينظر وأمسك لعبته المفضلة الديناصور الأزرق.
قال لم ترميه.
قلت لم أستطع.
ذهب إلى غرفتهلم أغيرها يوما.
ملاءات الصواريخ. ملصقات الديناصورات. نجوم تلمع في الظلام.
قال هل أستطيع النوم هنا
قلت إذا أردت.
تحت الأغطية بدا أصغر من عمره.
سأل هل هذا حقيقي ليس حلما
قلت نعم يا صغيري. هذا حقيقي.
رفع يده ووضعها على ذراعي.
لا تدعي أحدا يأخذني مرة أخرى.
قلت لن يفعل أحد. أقسم.
نام وهو يمسك بكمي.
ألقي القبض على ميليسا بعد يومين.
وسلم العم مات نفسه واعترف أنه ساعد في الاختطاف ثم أعاده عندما لم يتحمل الذنب.
جزء مني يكرهه.
وجزء آخر ممتن لأنه أعاده إلي.
إيفان يعاني كوابيس.
يصرخ لا تدعيها تدخل!
أحضنه وأقول لن تأتي. أنت آمن.
وإذا ذهبت إلى الحمام ينادي هل ستعودين
وأجيب دائما دائما.
نحن الآن في جلسات العلاج أنا وإيفان.
جلسات طويلة ثقيلة تحفر في أعماق ما تبقى منا. جلسات نحاول فيها أن نعيد ترتيب العالم داخل رؤوسنا أن نرسم خريطة جديدة للنجاة وأن نفهم إن استطعنا كيف يمكن للزمن أن يتوقف فجأة عند نقطة ثم يعود ليكمل طريقه وكأن شيئا لم يكن.
نتعلم كيف نعيش في عالم يمكن فيه للميت أن يطرق بابك في منتصف الليل مرتديا قميصا قديما عليه صاروخ صغير ذلك القميص الذي ظننت أن الزمن قد ابتلعه مع بقية ذكرياته.
أحاول في كل جلسة أن أشرح للطبيبة ما أشعر به لكن الكلمات لا تكفي.
أخبرها أنني لم أعد أثق بالحقيقة.
أن الأشياء الصلبة في حياتي لم تعد صلبة.
أن الأرض التي أسير عليها تبدو أحيانا كطبقة رقيقة من الزجاج الشفاف أحس أنها قد تنكسر في أي لحظة.
المنزل الآن ممتلئ بأشياء ظننت أنها رحلت معه إلى الأبد
يداه الصغيرتان اللزجتان على خدي عندما يركض إلي بعد اللعب.
قطع الليغو المتناثرة تحت قدمي التي لطالما تسببت لي بالألم والآن أراها كأنها مجوهرات مبعثرة من زمن آخر.
صوته من الحديقة نداءه الصغير ماما شوفي!
ذلك الصوت الذي كنت أتوق إليه حتى كدت أنساه عاد إلي بنفس البراءة بنفس الارتجاف وبنفس الإصرار.
قبل أيام كان يلون على الطاولة.
يجلس بشكل مائل يخرج لسانه قليلا حين يركز عادته القديمة التي لم تتغير ثم رفع رأسه فجأة وقال
ماما
نعم يا حبيبي
حدق في وجهي لثوان وكأنه يقيس المسافة بين الحلم والحقيقة ثم قال بصوت خافت
أفضل البيت أكثر.
توقفت يدي فوق الحوض رغم أنني لم أفعل شيئا.
نظرت إليه وكان يحدق فيي بعينين جادتين عميقتين أكبر من عمره.
ثم قال
إذا استيقظت يوما ووجدت أن هذا مكان الملائكة هل ستكونين معي
تقدمت نحوه.
ركعت إلى جواره.
أمسكت يده الصغيرة وكانت ترتجف بتلك الطريقة التي يمسك فيها الأطفال بأشياء يخافون ضياعها.
قلت له بصوت حاولت جاهدا أن أجعله ثابتا
لو كان هذا مكان الملائكة لكان بابا هنا أيضا. وأنا لا أراه.
لذلك أعتقد بل أؤمن أن هذا هو بيتنا يا صغيري.
فكر لثوان كأن عقله يعيد ترتيب الكون من جديد ثم هز رأسه باستسلام بسيط يشبه الراحة
أحب البيت أكثر.
ابتسمت رغم ارتعاش قلبي.
وأنا أيضا.
قبل عامين شاهدت نعشا صغيرا يختفي في الأرض.
كنت واقفة متجمدة لا أعرف كيف يمكن للكون أن يستمر في الدوران بعد ذلك.
شعرت أن حياتي انطفأت وأن جزءا مني دفن معه.
ظننت ويقينا ظننت أن تلك اللحظة كانت النهاية.
ومنذ ذلك اليوم كان الباب المؤدي لغرفته مغلقا أكثر مما هو مفتوح.
كلما حاولت أن أدخله أقف في العتبة وأتراجع.
ثم أغلق الباب بلطف وكأنني أخشى إزعاج الغياب.
والآن أحيانا أقف في باب غرفته بعد أن ينام أراقب صدره الصغير يرتفع ويهبط بحذر بانبهار بخوف يكاد يمزق قلبي.
أراقب كأنني أتأكد في كل ثانية أن الحياة لم تتراجع لم تتردد لم تسحب معجزتها الأخيرة.
أحيانا أغمض عيني لحظة ثم أفتحهما بسرعة بخوف طفولي أخشى أن يختفي.
أخشى أن يكون كل هذا وهما جديدا يصنعه الحزن.
لكنه يكون هناك مستلقيا فوق ملاءاته التي تحمل صواريخ صغيرة متشبثا بدميته القديمة يتنفس بعمق.
حينها فقط أشعر بأن العالم كله يعود مكانه.
قبل عامين انتهى كل شيء بالنسبة لي.
كنت أمشي كأنني ظل لامرأة أخرى.
كنت أستيقظ لأن علي أن أتنفس لا لأنني أريد ذلك.
لكن ليلة الخميس الماضية
طرقت ثلاثة خبطات خفيفة على بابي.
ثم جاء صوت صغير صوت أعرفه أكثر من معرفتي لذاتي
ماما أنا هنا.
في تلك اللحظة
لم أعد أؤمن بالخسارة.
ولا بالمستحيل.
ولا بالقوانين التي يضعها البشر ليفهموا العالم.
فتحت الباب
ورغم كل شيء ورغم كل ما قاله الناس أو ما قد يقولونه
عاد ابني إلى البيت.
عاد ابني إلى حضني.
عاد إلى المكان الذي لم يغادره يوما في قلبي حتى وإن غاب عنه جسده.
عاد وكأن السماء نفسها أعادت ترتيب أوراقها من أجله.
عاد وكأن القدر شعر بندبة لم تشف بعد.
عاد
وكأن النهاية لم تكن نهاية أبدا.

 

تم نسخ الرابط