صورة على مكتب زجاج كامله اسما لمنور
المحتويات
نحو وجهيهما.
ماذا قلتي؟
هذه أنا في الصورة.
رفعت يدها إلى عقد صغير حول عنقها، به تعليقة معدنية على شكل زهرة عباد الشمس
هذا العقد كانت أمي تقول إنني حصلت عليه في اليوم نفسه الذي التُقطت فيه الصورة. في الحديقة العامة في تشابولتيبيك.
أشارت إلى الخلفية في الصورة
هذه الحديقة. هذه البحيرة.
ثم رفعت عينيها نحوه مباشرة
من أين حصلت على هذه الصورة، سيدي؟
تغيّر شيء عميق في ملامحه.
لم يعد الرجل هو نفسه الذي استقبلها قبل دقائق.
مزيج من الصدمة، الارتباك، والخوف وربما شيء آخر، أكثر حميمية، مرّ على وجهه.
مدّ يده إلى الإطار، أمسكه ببطء، كأن الصورة تحرق أصابعه، وأخذ يتأملها للحظات.
كأنهما شخصان يتحاشيان الاعتراف بحقيقة يعرفانها مسبقًا.
أخيرًا، سأل بصوت منخفض تجاوزه بصعوبة
كم عمرك الآن، آنسة راميريز؟
ثلاث وعشرون.
وكم كان عمرك عندما التُقطت هذه الصورة؟
أربع سنوات.
وأين كنتِ تعيشين حينها؟
في حي إيثتابالابا. ولا زلت أعيش هناك.
مع من؟
مع أمّي فقط. لا أعرف أبي. لم أره في حياتي. كل ما أعرفه أنه
ترددت، لا تدري لماذا تشارك هذه التفاصيل مع رجل لم تعرفه إلا منذ دقائق.
لكن شيئًا ما في الموقف كله كان يدفعها للحديث.
أنه كان محاميًا، وأنه تركنا قبل أن أولد، على حد قول أمي.
رفعت عينيها إليه مرة أخرى.
كانت المفاجأة في وجهه هذه المرة لا تحتاج كبير ذكاء لقراءتها.
أسند الإطار على المكتب ببطء.
نهض من كرسيه، واتجه نحو النافذة.
وقف هناك، ذراعاه خلف ظهره، ينظر إلى المدينة دون أن يراها.
كانت صوفيا تشعر أن أنفاسها مسموعة في الصمت.
بعد لحظات بدت طويلة جدًا، قال بصوت مختلف
أظن أن علينا أن نلغي اجتماع العاشرة، كارمن.
مرّت كارمن برأسها من الباب
حاضر، سيدي.
ثم نظرت إلى صوفيا نظرة سريعة حائرة، قبل أن تغلق الباب.
فهمت أن شيئًا مهمًا يحدث.
استدار فرناندو ببطء، وعاد إلى مكتبه.
لم يجلس هذه المرة، بل وقف أمامها مباشرة، المستويان مختلفان هو واقف، وهي جالسة.
لكنها لم تشعر أنه أعلى منها هذه المرة.
آنسة راميريز
توقف، كأنه يختار الكلمات بعناية شديدة.
يوجد احتمال واحد لما يحدث الآن وأخاف أن أكون على حق فيه.
ما هو؟
قبل عشرين عامًا كنت رجلًا آخر.
ضحكة قصيرة، بلا فرح، خرجت منه تلقائيًا
لا أقصد أصغر سنًا فقط، بل أكثر غرورًا، أكثر أنانية، وأكثر غباءً.
ارتبكت صوفيا، لم تفهم.
أعني أنني كنت ذلك النوع من الرجال الذين يعتقدون أن النجاح في المحاكم يعفيهم من الفشل في حياتهم الخاصة.
تنفس بعمق
قبل أربعٍ وعشرين سنة تقريبًا، كنت مرتبطًا بفتاة من حي شعبي. كانت تدرس معي في الجامعة. اسمها كان
توقف للحظة، كأن نطق الاسم يحتاج شجاعة
لورا راميريز.
شعرت صوفيا أن الأرض تميد بها.
هوى الاسم على قلبها كصاعقة.
هذا اسم أمّي.
غالبًا، عندما نسمع الحقيقة التي نخافها، لا نصرخ ولا ننهار كما في المسلسلات، بل نصير فجأة هادئين بشكل غير طبيعي.
هكذا كانت صوفيا الآن.
جسدها يرتجف قليلًا، لكنها جالسة بثبات، عيناها متعلقتان بوجهه.
كيف كيف تعرف اسم أمي؟
لأنني كنت أحبها. أو كنت أظن ذلك على الأقل.
ابتسم بمرارة
كنت شابًا، مغرورًا بنفسي، أنتمي لعائلة غنية، وهي ابنة حي شعبي، لكن ذكية، قوية، تسخر مني عندما أتباهى. أحببت هذه القوة.
علاقتها بي كانت سرًا عن عائلتي.
وعندما اكتشفوا الأمر
أغمض عينيه لحظة
ضغطوا. هددوا. ساوموا.
كنت في بداية مسيرتي المهنية. قيل لي لن نسمح لسمعة العائلة أن تُلطّخ بزواجك من فتاة من حي فقير.
قيل لي أشياء أسوأ.
وأنا
فتح عينيه ونظر إليها
كنت جبانًا.
بدا صوته مكسورًا وهو يعترف بالكلمة.
كأنها حكم نهائي على شبابه.
انفصلت عن لورا فجأة، بدون تفسير حقيقي. قلت لها كلامًا قاسيًا، ادّعيت فيه أنني لم أعد أحبها، أنني أريد التركيز في عملي.
كانت حاملاً بكِ.
وضعت صوفيا يدها على فمها.
لم تكن قد سمعت هذه النسخة من الحكاية من قبل.
أمّها كانت تقول دائمًا
أبوك سابنا قبل ما تولدي. كان محامي، لكن ماكانش عنده قلب.
لم تذكر أسماء. ولم تذكر حبًا.
حاولت أن أعود بعد شهور، عندما بدأت أشعر بالندم، لكن
توقّف، نبرته تخنقها الذكريات.
ذهبت إلى بيتها، قالوا لي إنها تركت الحي. لا أحد يعرف أين ذهبت.
بحثت في سجلات المستشفيات، لم أجد شيئًا.
استعنت بمعارفي، بلا جدوى.
كنت قد خنتها ثم فشلت حتى في أن أعتذر.
وبعد سنوات، دفنت الذكرى تحت أكوام العمل والنجاح.
ظننت أنني نسيت.
لكنها لم تنسَني.
وأشار إلى الصورة
هذه التقطتها أنا. في الحديقة، في تشابولتيبيك. كنت قد اشتريت لكِ الفستان الأبيض، وأمكِ اختارت زهرة عباد الشمس.
قالت إنكِ تشبهينها
واقفة في الشمس، حتى لو حرقتك.
وأضاف بهمس
ظننت أنني فقدت هذه الصورة إلى الأبد لكن نسخة وصلتني بطريقة معقّدة منذ سنوات، عن طريق أحد المصورين القدماء. احتفظت بها هنا كنوع من الاعتراف الصامت بجريمتي.
كانت صوفيا تستمع، وقلبها بين المطرقة والسندان.
جزء منها يريد أن يصدّق، أن يصرخ كنت هنا طوال هذا الوقت!
وجزء آخر يقول
سهل جدًا أن تدّعي الآن، بعد أن صرت غنيًا ومشهورًا، أنني ابنتك من قصة حب قديمة.
قالت بصوت مبحوح
هل تحاول أن تقول إنك أبي؟
لم يتردد هذه المرة
نعم.
ثم أضاف بسرعة
لكنني لن أطلب منك أن تصدّقي لمجرد أنني قلت. يمكننا إجراء اختبار DNA، هذا أبسط شيء.
سكت لحظات، ثم قال
لكن قبل التحاليل والحقائق العلمية أريد أن أقول شيئًا واحدًا
أنا لا أطلب مغفرتكِ.
لا أملك الحق فيها.
كل ما أريده أن أعرف ما حدث لكِ ولأمكِ طوال هذه السنوات.
مرّ اليوم الأول في العمل بطريقة لم تتخيلها صوفيا أبدًا.
لم تتلقَّ جدولًا بالمكالمات، ولا قائمة بالاجتماعات.
بدلًا من ذلك، جلست أمام رجل قد يكون أو لا يكون والدها، يحكي لها عن ماضيه، وتقص عليه هي طفولتها مع أمٍّ مريضة، كرامة عنيدة، وفقر لا ينكسر بسهولة.
حكت له عن البيت الصغير في إيثتابالابا، عن عمل أمها في التنظيف في البيوت، عن سؤالها الدائم
ليه بابا مش معانا؟
والإجابة الوحيدة تقريبًا
سافر. نسي. مش مهم. إحنا كفاية على بعض.
قالت له
أمي كانت فخورة بنفسها رغم كل شيء. كانت تقول أنا اخترت إن ما أمدش إيدي له ولا لفلوسه. الكرامة مش سلعة.
ثم نظرت إليه مباشرة
لم أسمع منها يومًا جملة واحدة تشتمك فيها بالاسم، رغم كل ما فعلته.
ربما لأنها كانت تحبك أكثر مما تستحق.
انكسرت نظرة فرناندو.
التفت بعيدًا، ثم قال بصوت متحشرج
أين هي الآن؟
سكتت.
ثم قالت بهدوء ثقيل
مريضة.
بأي شيء؟
فشل كلوي. تحتاج إلى غسيل كلى ثلاث مرات في الأسبوع. والأطباء يقولون إنها إن لم تحصل على عملية زرع خلال عامين
توقفت. الكلمات أصبحت ثقيلة.
ضغط فرناندو بيده على حافة المكتب، كمن يحاول أن يتمسك بشيء.
لماذا لم تلجأي إلى المستشفيات الخاصة؟ يمكن أن
ضحكت ضحكة قصيرة مُرّة
يمكن.
هل تعرف كم تكلف جلسة غسيل واحدة في مستشفى خاص؟
كم يكلف دواء واحد من الأدوية التي تكتب في الروشتة؟
نحن محظوظون أصلاً أننا وجدنا مكانًا لها في المستشفى الحكومي.
ثم نظرت إليه بعينين تقدحان شررًا
طوال عشرين سنة، لم يكن هناك محامٍ مشهور في الصورة.
كانت هناك فقط امرأة تحارب، وابنة تحاول أن تساعد بقدر ما تستطيع.
سكت طويلاً.
ثم قال
كم كان راتبكِ السابق؟
هذا ليس مهمًّا.
متابعة القراءة