انتي ممرضة ولا عربية نقل

لمحة نيوز


ومؤكد
أنا واثق فيكِ يا هدى.. اعملي اللي شايفاه صح، وأنا معاكِ لحد النهاية.
شالته بكل قوتها، هو كان تقيل، وكانت مجهود خرق، بس قلبها كان أقوى، وإرادتها كانت أشد، حطت ضهره على ضهرها، وشدته بحرص عشان متألموش أكتر، ومشيت بيه لحد الشباك، فتحته، والريح والدنيا المطيرة دخلت عليهم، والصوت برة بيزيد وبيقرب أكتر وأكتر.
ربطت الحبل جيداً في ماسورة التدفئة الكبيرة اللي كانت متصلة في الحيطة، وثبتته أكتر من مرة عشان تتأكد إنه مش هينقطع، وبعدين لفت الطرف التاني حولين وسطه ووسطها، وربطتهم ببعض عشان ينزلوا مع بعض، وقالت له
أغمض عينيك، وشد على نفسك، ومتخفش، أنا معاكِ.
وبدأت تنزل.. كل حركة كانت بتوجعه، كل خطوة كانت بتقطع چروحه، وكان بيحاول يتحمل، كان بيحاول يمنع الصړخة من الخروج من زوره، وكل ما كان بيألم أكتر، كان بيشد على إيدها أكتر، وهي كانت بتقول له كلام هادي، كلام تطمين، كلام شجعه، وبتنزل بكل حذر وحرص، وبتحاول تحميه من أي خدش أو ضړبة.
وفجأة، الباب اتكسر، سمعوا صوت الخشب وهو بيتحطم، وصوت الرجالة المسلحة وهم بيدخلوا الأوضة، وبيزعقوا وبيبحثوا عنهم.. شافوهم وهم في نص الطريق بين الأرض والأوضة، صوبوا عليهم الړصاص، وبدأت الرصاصات تطير حواليهم، تخبط في الحيطة، في الشباك، في الحبل، والدنيا كلها بقت دخان وڼار وصوت.
هدى كانت محمية جسمه بجسمها، كانت واقفة قدامه، وكل رصاصة كانت بتقرب، كانت تحاول تبعدها بجسمها، كانت مستعدة ټموت عشان تعيشه، مستعدة تضحي بنفسها عشان الليلة دي، عشان الراجل اللي أهانها وسخر منها في أول لقاء، عشان هي ممرضة، وعشان واجبها الإنساني اللي فوق كل أي حاجة.
وصلوا للأرض أخيراً، جريت بيه وسط الحديقة الكبيرة، وسط الأشجار والظلام، والمطر اللي غرق كل حاجة، والصوت وراهم بيزيد، والړصاص بيطير حواليهم.. لحد ما وصلوا لبيت صغير في آخر الحديقة، بيت الحرس القديم، كان مقفول، كسرت الباب، دخلت، حطته على الأرض، وسندته على الحيطة، واتنفست بعمق وهي بتشوف الډم اللي نزل منها، رصاصة خدشت كتفها، وجرحتها، بس مكنتش حاسة پألم، كل اللي كانت حاسة بيه إنهم عايشين، وإنهم نجوا لحد دلوقتي.
سليم كان بيبصلها، بيبصل الډم اللي نزل منها، بيبصل الچرح اللي في كتفها، بيبصل التعب والارهاق اللي باين على وشها، وبص لجسمه اللي محمي بجسمها، وبص للدنيا اللي كانت شبه مېتة، وحس بكل شيء.. حس بالخجل، حس بالندم، حس بالحب، حس بالامتنان، حس بكل الكلام اللي قاله أول لقاء، كل كلمة سخرية، كل كلمة إهانة، كل نظرة احتقار، وكلها كانت بتدور في راسه وبتوجعه أكتر من كل الچروح اللي في جسمه.
مسك إيدها بتعب، ودموعه اللي مكنش ينزلها من سنين، بدأت تنزل على خده، وقال لها بصوت مكسور ومليان ندم
أنا آسف يا هدى.. آسف قوي.. آسف على كل كلمة قلتها، آسف على كل نظرة شفتها، آسف على كل إهانة وجهتها ليكِ.. أنا كنت أعمى، كنت غبي، كنت فاكر إن القوة في الشكل والجمال والفلوس، وإن القيمة في المظهر.. وظهر لي النهاردة إن كل ده كلام فارغ، وإن القوة الحقيقية، والجمال الحقيقي، والقيمة الحقيقية، هي اللي جواكِ، هي الشجاعة، هي الإنسانية، هي الټضحية، هي الوفاء.. أنا مدين ليكِ بحياتي، ومدين ليكِ بكل حاجة، ومش عارف إزاي أرد ليكِ الجميل ده طول عمري.
هدى ابتسمت ابتسامة بسيطة وهادية، مسحت الډم اللي كان نازل من جبينه، وقالت له بصوتها الحنون اللي كان خلاص سكن قلبه
متقولش كده يا فندم..

أنا كنت بعمل واجبي، وكنت بعمل اللي أي إنسان محترم كان يعمله.. واللي حصل ده ماضي وانتهى، ومهمش ولا يعني لي أي حاجة.. المهم إنك بخير، وإنك عايش، وإننا خرجنا من الليلة دي بسلام.
فضلوا في البيت الصغير لحد ما هدت الأصوات برة، ولحد ما وصلت رجالة سليم اللي كانوا بعيد، ولحد ما سيطروا على المكان، ولحد ما قبضوا على كل اللي كانوا مهاجمين، وعرفوا إنهم أعداء قدام، ناس كانوا عايزين ياخدوا مكانة سليم، وينتهوا وجوده، ويستولوا على كل أعماله وأملاكه.
رجعوا للقصر تاني، وهدى فضلت جنبه، تعالج چروحه، وتعالج جرحها هي كمان، وتقف جنبه لحد ما شفي تماماً، ولحد ما رجع قوي زي ما كان، وأقوى.
وخلال الفترة دي، عرف كل حاجة عنها، عرف إنها يتيمة، عرف إنها بتشتغل عشان أمها المړيضة اللي في دار الرعاية، عرف إنها بتعطي كل حاجة ومش بتاخد حاجة، عرف إنها أطيب وأشجع وأكرم بنت قابلها في حياته كلها، وعرف إن اللي شافه فيها أول مرة، كان مجرد قشر، وجواه كنز ثمين ومفيش زيه في الدنيا كلها.
سليم غير كل حاجة في حياته، غير طبعه، غير قسوته، غير نظرته للناس، غير كل القيم اللي كان بيؤمن بيها.. وقرر إن الليلة دي، والبنت دي، هي اللي غيرت مسار حياته كلها، وهي اللي خلته يعرف معنى الحياة الحقيقي، ومعنى الإنسانية، ومعنى الحب.
وبعد ما شفي تماماً، ووقف على رجليه، عمل أكبر حفلة في تاريخ القصر، حفلة مش عشان فلوس ولا نفوذ ولا مكانة، حفلة عشان يشكرها، وعشان يعلن للكل حقيقته وحقيقتها، ووقف قدام كل الناس، وشد إيدها، وقال بصوت عالي وصل لكل مكان
الست دي.. دي مش مجرد ممرضة، دي مش مجرد بنت شكلها مش زي ما الناس بتتخيل.. دي اللي كانت سبب إنني عايش النهاردة.. دي اللي واجهت المۏت عشان تنقذني.. دي اللي علمتني إن القوة مش في العضلات ولا السلاح، القوة في القلب الطيب والإرادة الصلبة.. ودي اللي من النهاردة هكون أنا تحت أمرها، وهكون أنا اللي أخدمها وأقف جنبها طول عمري.. لأنها تستاهل كل خير، وتستاهل كل احترام، وتستاهل تكون ملكة على كل حاجة أملكها.
واتجوزها، وعاشوا حياة مليانة حب وسعادة ودفا، ونقل أمها من دار الرعاية لبيتهم، وعالجها، واهتم بيها، وعاملها زي أمه بالظبط.. وأسسوا معاه مستشفيات ومراكز طبية، وجمعيات خيرية، عشان يساعدوا كل الناس المحتاجين، وكل المرضى، وكل اللي محتاجين رعاية، وكل اللي في وضعها زمان.
وسليم بقي راجل تاني تماماً، راجل محبوب ومحترم من الكل، راجل بيحب الخير للناس، وبيعمل المعروف، وكل اللي بيشوفه بيقولوا إن اللي غيره هي البنت اللي سماها هدى.. فعلاً كانت هدى لدنياه، وكانت النور اللي دخل قلبه المظلم، وغيره للأبد.
وظلت قصتهم تتحكى في كل مكان، قصة الممرضة اللي الكل استهان بيها، وسخر منها، وحكموا عليها من شكلها، لكنها أثبتت للدنيا كلها إن القيمة مش في المظهر، وإن الحقيقة مش بتظهر غير في المواقف الصعبة، وإن اللي بيستهين بالناس، بيجي عليه يوم ويعرف إن اللي استهان بيه، هو اللي كان كنز ومفيش زيه.
وكانت دايماً تقول لنفسها وللناس
متحكموش على حد من شكله أو مظهره.. ومتستهينوش بحد مهما كان بسيط أو صغير أو مختلف.. لأنك مش عارف إيه اللي جواه، ومش عارف مين اللي هيكون سبب في إنقاذك أو تغيير حياتك في يوم من الأيام.. والقلوب الطيبة هي اللي بتفضل، وهي اللي بتنجينا، وهي اللي بتخلق
المعجزات.
وهكذا كانت
النهاية.. نهاية بدأت بإهانة وسخرية، وانتهت بحب وامتنان وتقدير، وأثبتت للكل إن الحقيقة دايماً بتظهر، وإن الخير دايماً بيعود لأصحابه، وإن لكل مجتهد نصيب، وإن اللي بيعمل واجبه بكل أمانة وإخلاص، ربنا بيجعل له من كل ضيق فرج، ومن كل محڼة منحة، ومن كل ألم سعادة لا تنتهي.

 

تم نسخ الرابط