يوم فرحي حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

أبويا مسح وشه بإيده، وطلع زفير طويل، وبصلي بصة كلها خوف وقلق سالم مش بيلعب يا بنتي، سالم معاه مفاتيح حياتنا في إيده، وموت أخوكي مكنش قضاء وقدر زي ما فهمنا الناس.. ده كان تمن سكوتنا، وتمن غلطة بدأت من سنين، واليوم ده، سالم قرر يفتح الحساب اللي مكنش حد فينا عايز يفتحه.
سكتت، والكلمات وقفت في زوري، كنت حاسة إني في كابوس، ولقيت موبايلي بينور في إيدي برقم سالم، بيبعت رسالة قصيرة تعالي لي على المكان اللي أنتي عارفاه، لو عايزة تعيشي بكرامتك.

سحبت نفسي من العربية وخرجت، أبويا نادى عليا بصوت ضعيف رايحة فين يا بنتي؟، بس أنا مكنتش سامعة غير دقات قلبي اللي بتنادي على الحقيقة المدفونة من سنين.
مشيت للمخزن القديم بتاع جدنا، فتحت الباب بصعوبة، لمحت خيال سالم واقف في آخر المخزن، كان بيدخن سيجارته ببرود، ولما شافني طفاها وبدأ يقرب مني بهدوء، مشية واثق إن الفريسة بقت في إيده.
نورتي يا بنت عمي.. كنت عارف إنك هتيجي، الفضول دايماً بيبقى أقوى من الخوف، مش كده؟
رديت عليه وصوتي متقطع أنت عملت فيا إيه يا سالم؟ إيه اللي كتبته في الورقة ده؟ وإيه حكاية أخويا اللي ميت من سنين؟ انطق!

ضحك سالم وقال أخوكي ممتش في حادثة طريق زي ما أبوكي فهمكم، أخوكي كان بيكتشف إن أبوكي وأبويا كانوا شركاء في تجارة ، ولما حب يبلغ عنهم، كان لازم يخلصوا عليه.. واللي ساق العربية وخبط أخوكي
أقول إيه، الغضب اللي كان جواه اتطفي، ومبقاش فاضل غير وجع السنين. قلتله بهدوء
الحساب عند ربنا يا بابا، مش عندي. أنا بس عملت اللي يخليني أقدر أبص في المرايا من تاني من غير ما أتكسف من نفسي.
بعد يومين، الخبر كان في كل الجرايد والمواقع سقوط إمبراطورية ، وابنة القاتل تكشف المستور. جوزي.. اللي طلقني في الفرح، حاول يرجع، حاول يتصل ويبعت ناس تتوسط، بس كنت خلاص، قفلت الباب ده للأبد. الشخص اللي باعني في أول لحظة ضعف، ملوش مكان في حياتي اللي بتبدأ.

وقفت في البلكونة، بشوف الناس وهي معدية في الشارع، بيشاوروا على بيتنا، بس نظراتهم اتغيرت. مبقاش فيها شفقة ولا سخرية، بقى فيها احترام.. احترام للي اختارت الحقيقة على الستر الكداب.
بصيت للسما، حسيت إن أخويا في مكان ما أخيراً ارتاح. رميت خاتم الجواز اللي كان في إيدي في الشارع، وشفت لمعته وهو بيختفي في وسط الزلط. بدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها أسرار، مفيش فيها ذل، صفحة عنوانها أنا.
الحياة مكنتش سهلة، وكل يوم كان فيه استجوابات ومحاكم، بس كنت بمشي في الشارع راسي مرفوعة، لأني بقيت حرة.. حرة من الماضي، وحرة من خوفي، والأهم من ده كله، حرة من الكدبة اللي كادت تدفني وأنا لسه عايشة.
……..

عدت الشهور كأنها سنين، المحاكمات كانت بتهد الحيل، وأبويا دخل يقضي عقوبته عن ذنبه اللي اعترف بيه، بس في كل زيارة كنت بدخله فيها، كنت بلاقي في عينيه سلام مكنش موجود قبل كده، كأنه اتطهر من حمل تقيل شاله سنين فوق كتافه. أمي فضلت جنبي، سندتني وسندتها، وبقينا احنا الاتنين في وش الريح، بس المرة دي ريح مش هتقدر تهزنا.
سالم اتوزع على سجون بعيدة بعد ما الحقيقة اتكشفت، وكل اللي كانوا شغالين معاه تاهوا، والمصالح اللي كانت بتدور بالفساد اتقفلت أو اتغيرت إدارتها. الناس بدأت تنسى فضيحة الفرح، وتحفظ في الذاكرة شجاعة البنت اللي كشفت المستور.
في يوم خريف، كنت ماشية في شارعنا القديم، لقيت عريسي السابق، اللي بكلمة رخيصة في القاعة، واقف بعيد بيراقبني. لمحته وهو بيقرب بخطوات مترددة، ملامحه كانت ذابلة، وكأنه عرف معنى الخسارة الحقيقية. وقف قدامي، حاول يتكلم، حاول يبرر
انجي.. أنا.. أنا كنت مخدوع، كنت فاكر إن..

قاطعته قبل ما يكمل، ابتسامة خفيفة ورزينة اترسمت على وشي، بصيت في عينيه بثبات، ومن غير أي عصبية أو حقد، قلتله
اللي بيحب بجد يا فلان، بيسأل قبل ما يرمي اليمين، وبيصدق اللي بيحبه قبل ما يصدق كلام الغريب. أنت اخترت السهل، وأنا اخترت الحق.. والاتنين مبيتقابلوش.
سبته واقف مكانه، مكملتش كلام، ومبصتش ورايا تاني. مشيت في طريقي، كملت تعليمي اللي كان واقف، وبدأت مشروع صغير بجهدي وشقايا. بقيت بشتغل وبكبر، والفلوس اللي كانت بتيجي من الشبكة أو الفساد مابقتش موجودة، بس البركة كانت في كل قرش بدخله بيتي، والراحة اللي في قلبي كانت تساوي كنوز الدنيا.

أحياناً، بليل، لما بقعد في بلكونتي وببص للنجوم، بفتكر انجي بتاعت زمان، البنت اللي كانت خايفة ومكسورة، وببتسم. الزمن مش بس بيغير الوشوش، الزمن بيصقل البني آدم. عرفت إن الفضيحة مش إنك تطلق في فرحك، الفضيحة الحقيقية إنك تعيش حياة كدابة، وتكمل في طريق غلط عشان خايف من كلام الناس.
الحياة مش دايماً بتدينا نهايات سعيدة زي الحكايات، بس بتدينا فرصة تانية عشان نكتب النهاية اللي نستحقها.. وأنا، كتبت نهايتي بإيدي، وبقلم مبيعرفش يكتب غير الحقيقة.
تمت
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط