زوجي سافر
في مراية الدولاب.. عيني كانت حمرا، بس كان فيها لمعة جديدة. لمعة الست اللي أدركت إن البكاء مش هيسترد حقها، وإن اللي اتكسر إمبارح مش هينفع يترقع، بس ينفع يتدفن وتتبنى مكانه حقيقة تانية خالص.
فتحت التليفون.. أول ما الشبكة جمعت، التليفون اترمى بسيل من الرسائل والإشعارات. 35 مكالمة مفقودة من إبراهيم، و رسالة منه
سمر ارجعي الشقة عشان خاطري!
أنا نيفين من الشقة بره، تعالي نتفاهم!
أنتِ فين؟ أنا قالب عليكِ الشوارع وممكن أبلغ الشرطة!
ما تضيعيش بيتنا يا سمر!
ابتسمت بسخرية ومرارة.. ما تضيعيش بيتنا!.. هو هو اللي ضيعه وهدمه بيده، وجاي دلوقتي يتهم الضحېة إنها بتضيع البيت!
الرسالة اللي استوقفتني كانت من رقم غريب.. فتحتها لقيتها من نيفين!
برافو عليكِ عملتي شو حلو وخرجتي في دور الضحېة.. بس حابة أقولك إن إبراهيم معايا دلوقتي في شقتي الثانية، وبيترجاني ما أزعلش! افهمي حجمك يا سمر، أنتِ مجرد مرحلة وانتهت في حياته.
مسكت التليفون وإيدي ثابتة.. ما اتنرفزتش، ما اتعصبوش. نيفين كانت فاكرة إن الرسالة دي هتقهرني أو ترجعني أصرخ وأترجاهم، لكنها بقلة عقلها إديتني أكبر سلاح إثبات ثاني على خيانتهم واستمرارهم، مع اعتراف ضمني بوجودها. أخدت سكرين شوت للرسالة، وحفظتها في ملف خاص على التليفون مع التسجيلات والرسائل القديمة.
قفلت التليفون، وقعدت على السرير وطلعت الدوسيه الأزرق.. أوراق السفر، عقد الزوجية المصري، كشف الحساب البنكي الصغير اللي كنت حوشت فيه جزء من فلوسي قبل ما أسافر، وأوراق إقامتي اللي استلمتها في المطار.
قعدت أخطط.. أنا في بلد غريبة، صحيح، بس مش عاجزة. معايا إقامة رسمية قانونية بصفتي زوجة، ومعايا حق شرعي وقانوني في مصر وهنا. إبراهيم فاكر إني هضعف وأرجع مصر مکسورة الخاطر والناس تأكل وشي بتقاويل سافرت لجوزها وطلقها في أسبوع. لا.. أنا مش هرجع مکسورة، أنا هرجع وأنا واخدة حقي منه تالت ومتالت!
ثاني يوم الصبح..
صحيت الساعة تمانية، استحميت بمية باردة تقوي جسمي، لبست هدومي، ولمېت الشنط وحطيتها في أمانات الفندق. خرجت على العنوان اللي كنت بحثت عنه بالليل على النت مكتب محاماة مصريعربي معتمد في العاصمة بره.
دخلت المكتب، قابلت المحامي.. راجل خمسيني ملامحه جادة وواثقة اسمه الأستاذ طارق. قعدت قدامه، وشرحت له القصة بالكامل من أول المكالمة التي لم تُغلق، لحد الشال الأحمر ورسالة نيفين اللي على التليفون.
الأستاذ طارق سمعني بهدوء، وكان بيكتب ملاحظات في أجندته. لما خلصت، حط القلم على الترابيزة وبص لي
يا مدام سمر.. موقفك القانوني هنا قوي جداً، وأقوى بكتير مما تتخيلي.
إزاي يا متر؟
أولاً القانون هنا بيعاقب على الجمع بين زوجتين في عقود غير معلنة أو التزوير في إقرارات الحالة الاجتماعية إذا كان ثبت إنه سجل إقامتك هنا بصفتك الزوجة الوحيدة عشان يجيب لك الفيزا.
ثانياً العقد اللي بينه وبين نيفين، إذا كان عقد عرفي أو موثق مدنياً من غير علمك ودون إخطارك الرسمي حسب القانون المصري، ده يمنحك حق رفع دعوى طرر وشقاق فورية في المحاكم المصرية والأجنبية، ومطالبته بكامل مؤخر صداقك، والمتعة، ونفقة السكن، وجزء من ممتلكاته اللي اتأثثت في فترة الزواج.
حسيت بنور بسيط بيطلع في أخر النفق المظلم
أنا مش عايزة منه فلوس أعيش بيها يا متر.. أنا عايزة حقي وحق كرامتي اللي اتداست.
الحق والكرامة في القانون بيترجموا لورق وفلوس ومواقف يا مدام سمر. إحنا هنلعبها صح.. مش هنواجهه پغضب، هنواجهه بالقانون.
اتفقنا على الخطة
الأستاذ طارق هيعمل إجراءات القضايا الرسمية، ويوجه له إنذار على يدي محضر بالشقة، يطالبه بتوفير مسكن مستقل فوراً وإثبات الحالة الاجتماعية، وفي نفس الوقت هنحفظ كافة حقوقي المالية.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن ظهري اتفرد.
مسكت التليفون وفتحت الخط.. لقيت إبراهيم بيرن في نفس اللحظة!
فتحت عليه الصوت.. المرة دي نبرتي كانت هادية جداً، أبرد من الثلج
ألو.. إبراهيم.
صوته طلع متلهف ومشتت
سمر! أنتِ فين؟ حرام عليكِ اللي بتعمليه ده! أنا قعدت طول الليل ألف في الشوارع زيك! تعالي الشقة نتكلم.. والله العظيم نيفين مش موجودة، وأنا أعدك إن كل حاجة هترجع زي الأول!
ضحكت ضحكة خفيفة وصغيرة
ترجع زي الأول؟ هو إيه اللي يرجع يا إبراهيم؟ السنتين اللي ضاعوا؟ ولا الكدب؟ ولا ريحة نيفين اللي في الشقة؟
سمر، أنا بحبك أنتِ! نيفين كانت نزوة وغلطة وغربة! افهمي بقى!
لو كانت نزوة، ما كنتش تسيبها تهينني في بيتك وتتطاول عليا وأنت واقف زي الشاهد الأطرش! عموماً يا إبراهيم.. أنا مش هضيع وقتي في كلام ملوش لازمة.
يعني إيه؟ أنتِ فين دلوقتي؟
أنا في بلد الله الواسعة.. وبقولك إنك خلال 48 ساعة هيوصلك إخطار رسمي من محاميّ هنا ومحاميّ في مصر. حق السنتين، ومؤخري، ونفقتي، وحقي في الشقة والأثاث اللي اتدفع فيه شقايا، هتاخده بالقانون.
إبراهيم صوته اتغير فوراً، والتحول المرعب في نبرته ظهر.. الخۏف تحول لشړ والڠضب اتفجر فيه
محامي؟! أنتِ بتجرجريني في المحاكم يا سمر؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ هنا في بلدي وفي منطقتي، ومتقدراتك كلها في إيدي! الباسبور والفيزا أنا اللي ضامنهم، ولو رفعتِ قضية واحدة أنا هعملك إلغاء إقامة وأرحّلك مصر في ظرف 24 ساعة بلبسك اللي عليكِ!
الټهديد ده كان الكرت الأخير اللي كان فاكر إنه هيقسرني
بيه.. يهددني بالترحيل والكسرة قدام أهلي.
ابتسمت بثبات وقلت له
اعمل اللي تقدر عليه يا إبراهيم.. بس افتكر كويس، الټهديد ده متسجل، وأوراق المحامي اتسلمت للجهات المختصة من ساعة بالظبط. وأعلى ما في خيلك أنت وست نيفين بتاعتك.. اركبه.
قفلت السكة في وشي من غير ما أستنى أسمع صراخه.
في اللحظة دي بالظبط، التليفون رن تاني.. بس المرة دي كان رقم مصر.
رقم أمي!
أخدت نفس طويل، وحاولت أظبط نبرة صوتي عشان ما تحسش بحاجة.. فتحت الخط
ألو.. أيوا يا أمي، صباح الخير.
صوت أمي طلع بيبكي ومش طبيعي خالص
سمر! الحقيني يا بنتي! أخوكي حاتم مع أهل إبراهيم هنا في المنطقة والبوليس جه أخد إبراهيم الكبير وأخوكي في القسم!
دمي اتجمد في عروقي.. المشكلة ما بقيتش بس بيني وبين إبراهيم في الغربة.. المأساة كبرت ووصلت لبيتنا وأهلي في مصر
الجزء الخامس
وقفت في مكاني وسط الشارع والشارع بيموج بيا. كلام أمي كان زي صاعقة نزل عليا في وقت أنا أصلاً على حافة . أخويا حاتم في القسم؟ حاتم الصغير اللي ملوش في المشاكل ولا المشاجرات، يتقبض عليه بسبب اللي ارتكبها إبراهيم بره مصر؟
مقالات ذات صلة
زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 2
منذ 47 دقيقة
زوجي مسافر حكايات رومانى مكرم 1
منذ 49 دقيقة
حكايات اسما السيد 2
منذ 5 ساعات
حكايات اسما السيد 1
منذ 5 ساعات
مسكت التليفون بإيد بترتعش وقلت بصوت
إيه اللي حصل يا أمي؟! فهميني! حاتم إيه اللي جابه جنب أهل إبراهيم؟
صوت أمي كان طالع بالشهقات والعياط
أبوه يا سمر.. عمك إبراهيم الكبير نزل الشارع صباح اليوم يتباهى قدام أهل المنطقة ويقول إن ابنه متجوز ست تانية بره ومستقر، وإنك رايحة تصيري جارية عندها وتخدميهم هما الاثنين! أخوكي سمع الكلام من الجيران، دمه فار ونزل له الشارع عشان يدافع عن شرفك وكرامتك، الألسن كبرت كبرت لحد ما الجيران طلبوا النجدة والأثنين متأخدين في القسم دلوقتي!
قفلت مع أمي وأنا حاسة إن النيران مشټعلة في قلبي وفي مصر وفي البلد اللي أنا فيها. إبراهيم مش بس خانني، ده كمان أهله في مصر بيستغلوا خيانته عشان يكسروا نفسي ونفس أهلي قدام الناس!
كان قدامي خيارين لا ثالث لهما إما أقعد هنا وأبكي وأسيب أخويا يتظلم في مصر، أو أتحرك بسرعة وأضرب ضړبة توجعهم كلهم وتخلص المأساة دي.
اتصلت فوراً بالأستاذ طارق المحامي. حكيت له اللي حصل في مصر بسرعة، وقلت له
يا متر، أهل إبراهيم بيستغلوا الموقف في مصر وضغطوا على أخويا.. أنا عايزة تحرك سريع يلجم إبراهيم وأبوه في نفس اللحظة!
الأستاذ طارق رد بثقة وشدة
اهدئي يا مدام سمر.. اللي عمله أبوه ده هيتحول لصالحتنا فوراً. أنا هتكفل بالاتصال بمحامي زكيل ليا في مصر، وهيتحرك فوراً للقسم بجميع الإثباتات والإنذارات اللي حررناها النهاردة هنا، وهنقدم بلاغ سب وقڈف وتشهير ضد أبوه، مع إثبات إن الخلاف بسبب تعدي إبراهيم على حقوقك الزوجية وإلحاق الضرر بيكِ في الغربة.
وأضاف المحامي بنبرة خبيثة ومجربة
أما بالنسبة لإبراهيم هنا.. فهو كروت تهديده بإنهاء إقامتك أصبحت مكشوفة ومالهاش قيمة لأننا قدمنا العريضة الرسمية للمحكمة خلاص، وأي إجراء سلبس هيعمله ضدك هيعتبر تعسفي وينقله لموقف الجاني رسمياً قدام السلطات هنا.
رجعت الفندق، أخدت شنطي، ونزلت أسبوع كامل أتنقل في سكن معلمات ومغتربات هادي بعيد عن أعين إبراهيم. خلال الأسبوع ده، المحامي في مصر تحرك.. أخويا حاتم خرج من القسم بكفالة، وأبوه اتعلم عليه بإنذار رسمي وبلاغ تشهير خلّاه يلم لسانه ويكتم السر قدام أهل المنطقة.
لكن الأحداث ما وقفتش عند الحد ده..
في يوم الثلاثاء، وأنا قاعدة في السكن، جالي إشعار على التليفون بإن إبراهيم بيحاول يتصل عليا من رقم جديد. ما ردتش.. فبعت رسالة نصية
سمر.. نيفين سړقت الفلوس اللي في الحساب المشترك بيني وبينها وهربت! محجوز عليها وأنا في مصېبة.. أرجوكي ردي عليا!
بصيت للرسالة وأنا مش مصدقة حجم السخرية العدالة الإلهية!
فتحت الخط ورديت عليه المرة دي.. صوته كان ، وبيرتعش بشكل مش طبيعي
ألو.. سمر؟ الحقيني يا سمر!
خير يا إبراهيم؟ مالك؟ فين القوة الشال الأحمر وبواقي الكلام الكبير؟
نيفين.. نيفين خدت كل حاجة! العقد اللي بيني وبينها كان فيه توكيل إدارة لحساب البنك الخاص بشركتنا الصغيرة.. سحبت كل المبالغ اللي حوشتها طول السنتين، وخدت أوراق الشقة وهربت على بلدها من إمبارح! أنا اټدمرت يا سمر.. الشركة بتهددني بالحبس لو ما سددتش الشيكات المکسورة!
سمعت الكلام وأنا حاسة إن ربنا جاب لي حقي بدم بارد، ومن غير ما أوسخ إيدي ولا أرفع صوتي.
قلت له بصوت هادي ومجرد من أي عاطفة
سبحان الله يا إبراهيم.. الست اللي بعتني عشانها، واللي قلت لي إنها شالتك في مرضك ووقفت جمبك، هي هي اللي جردتك من كل حاجة وسابتك عريان في الغربة! مش دي اللي كنت بتقول لها طبعاً يا حبيبتي إنتي مراتي ومفيش حد يأخد مكانك؟ أهي أخدت مكانك ومكان فلوسك كمان.
إبراهيم بدأ يبكي على الخط زي الأطفال
أنا كنت أعمى يا سمر! والله العظيم كنت أعمى ومخدوع! أنتِ الوحيدة اللي صنتيني وأنا اللي وضعتك.. ارجعي لي يا سمر، أرجوكي سامحيني ونبدأ من الجديد، أنا مستعد أكتب لك كل حاجة باسمك وأبصم لك على أوراق تتمني!
رديت عليه بابتسامة مريرة وأنا بمسك الدوسيه الأزرق اللي فيه أوراق طلاقي وقضاياي اللي أترعت خلاص
تبدأ من جديد مع مين يا إبراهيم؟ مع الست اللي طفحت الډم سنتين عشان تحافظ على بيتك وأنت بتدبحه من ورا ضهرها؟ أنت فاكر إن الكرامة واللي اتكسر يرجع بكلمتين وبكاء في التليفون؟
يا سمر عشان خاطر أهلي وأهلك.. عشان السنين اللي كانت بيننا!
السنين اللي كانت بيننا أنت قټلتها يوم ما سبت الخط مفتوح وسمعتني خېانتك بودني. بكرة الصبح يا إبراهيم.. هتوصلك ورقة المحكمة بالحضور للجلسة الأولى لطلب الطلاق للضرر مع استرداد كافة مستحقاتي الشرعية والقانونية. والفلوس اللي نيفين سرقتها منك؟ ده ثمن الخېانة اللي دفعته كاش في الدنيا.. ولسه حسابك في الآخرة وفي القضاء.
قفلت السكة في وش إبراهيم للابد..
في اليوم التالي، وقفت قدام مبنى المحكمة هنا في الغربة مع الأستاذ طارق.. الجلسة الأولى كانت محددة، وأنا لابسة أسود، حاطة نظارتي الشديدة، وواقفة بثبات وثقة