اتجوزت مديرى الثرى

لمحة نيوز

محتاجة أدور على سر جديد كل يوم، ولا أعيش مستنية إن الماضي يفسر لي كل حاجة.
أنا عرفت إن بعض الأسئلة ممكن تفضل من غير إجابات كاملة، وإن بعض الخسارات مش بتتعوض، لكن الإنسان يقدر يبني حياة تستحق إنه يعيشها.
بصيت لصوفي وهي نايمة، وقلت
أنا مش هورثك فلوس وبس يا بنتي. أنا هسيبلك حكاية تعرفي منها إن الكرامة أهم من المال، وإن الحق لازم يتاخد بالطريق الصحيح، وإن الإنسان مهما كانت بدايته صعبة، يقدر يختار النهاية اللي يسعى ليها.
ومن يومها، ماعدتش لورا الست اللي كانت خاېفة تخسر كل حاجة.
بقت الست اللي عرفت إن قيمتها مش في قصر، ولا في أرض، ولا في ثروة.
قيمتها في إنها واجهت الحقيقة، حافظت على حقها، وقررت تحوّل ۏجعها لفرصة جديدة لغيرها.
النهاية. 
مفاجأة جديدة في حياة لورا آدم يعرف سرًّا عن بن! 
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت، وإن أخيرًا جه الوقت أعيش أنا وصوفي في هدوء، بعيد عن أسرار الماضي ومشاكله.
لكن بعد افتتاح مشروع فرصة جديدة بحوالي ست شهور، حصل موقف ماكنتش أتوقعه أبدًا.
في يوم، دخلت الورشة ولقيت آدم واقف قدام المكتب، ماسك ظرفًا قديمًا، ووشه متغير.
سألته بقلق
مالك يا آدم؟ فيه حاجة حصلت؟
حط الظرف على المكتب وقال
أنا لقيت ده وأنا بنضف المخزن القديم. مكتوب عليه اسم جوزك الأول، بن.
اتسمرت مكاني.
إنت بتقول إيه؟!
رد بسرعة
والله ما فتحت حاجة تخصك. الظرف كان جوه صندوق أدوات قديم، وتحت ورق مكتوب عليه اسم المشروع القديم.
فتحت الظرف بحذر، ولقيت جواه صورة لبن واقف قدام المبنى اللي كنا بنحاول نعيد تشغيله، ومعاه طفل صغير مش معروف.
وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة بخط بن
إلى الشخص اللي هيساعدني أحافظ على الوعد اللي قطعته للطفل ده.
قعدت على الكرسي وأنا بحاول أفهم.
مين الطفل؟ وإيه الوعد اللي بن قطعه له؟
اتصلت بدانيال، وطلبت منه يراجع الأوراق القديمة اللي تخص المشروع.
بعد يومين، رجع لي ومعاه ملف صغير.
قال
لقينا سجلًا قديمًا للمتطوعين، وفيه اسم طفل كان بيزور المركز باستمرار. اسمه سامح، وكان وقتها عنده حوالي عشر سنين.
سألته
وإيه علاقته ببن؟
رد
بن كان بيساعده في التعليم، وكان بيحاول يلاقي له فرصة تدريب مناسبة لما يكبر. لكن السجلات اتقطعت بعد إغلاق المشروع.
فضلت أفكر في الطفل اللي ظهر في الصورة.
وبعد بحث طويل، قدرنا نوصل لعنوان سامح، اللي بقى دلوقتي رجلًا في أواخر العشرينات، وبيشتغل فني صيانة.
لما قابلناه، طلع الصورة من إيدي وبص لها طويلًا.
قال بصوت متأثر
أنا فاكر اليوم ده كويس. الأستاذ بن كان من الناس القليلة اللي كانوا بيشجعوني أتعلم، بدل ما يحكموا عليّ بسبب ظروفي.
سألته
تعرف إيه عن الوعد اللي كتبه؟
هز رأسه.
أيوه. هو وعدني إنه يساعدني أتعلم مهنة، وإنه لو المشروع اتقفل، هيفضل يحاول يلاقيني مكان أقدر أتعلم فيه.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
لكن بعد مرضه، ماعرفتش أوصل له تاني.
حسيت بۏجع كبير.
بن كان بيحاول يساعد ناس كتير، حتى في الوقت اللي كان فيه بيحارب مرضه وبيحاول يحافظ على حياته.
قلت لسامح
أنا مش هقدر أرجع لك السنين اللي فاتت، لكن لو لسه حابب تطور مهاراتك، عندنا برنامج تدريب هنا.
ابتسم لأول مرة من ساعة ما دخل.
أنا بقيت فني فعلًا، لكن نفسي أتعلم أكتر وأساعد شباب تانيين.
بصيت له وقلت
يبقى مكانك معانا مش كمتدرب بس، لكن كمان كواحد يقدر ينقل خبرته لغيره.
بعد شهور، أصبح سامح من أنشط المشاركين في المشروع، وبدأ يساعد الشباب الجدد على تعلم الصيانة.
وفي يوم الافتتاح الرسمي لقسم التدريب الجديد، وقف قدام الجميع وقال
أنا جيت هنا زمان طفلًا محتاجًا حد يؤمن بقدرتي. النهارده أنا واقف هنا عشان أساعد غيري. ويمكن دي أحسن طريقة أرد بيها الجميل للأستاذ بن.
بصيت لصورة بن المعلقة على الحائط، وابتسمت وسط دموعي.
أخيرًا، فهمت إن أثر الإنسان مش لازم ينتهي بۏفاته.
ممكن كلمة تشجيع يقولها في يوم عادي تغيّر حياة شخص، وبعد سنين الشخص ده يغيّر حياة ناس تانية.
وفي طريق عودتي للبيت، سألتني صوفي
ماما، هو الأستاذ بن كان بيحب يساعد الناس أوي كده؟
مسحت على شعرها وقلت
أيوه يا حبيبتي، وكان مؤمن إن كل واحد فينا يقدر يعمل حاجة كويسة، حتى لو كانت بسيطة.
قالت
لما أكبر، عايزة أساعد الأطفال زيك.
ابتسمت وقلت
وأنا هساعدك تتعلمي إزاي تعملي ده بطريقة صح.
وفي اللحظة دي، حسيت إن الحكاية اللي بدأت بالوحدة والخۏف، بقت حكاية عن الأمل والمسؤولية.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لسه مستنياني؛ لأن دانيال اتصل بيا في نفس الليلة وقال إن فيه خطابًا جديدًا وصل للمكتب، مرسلًا من جهة رسمية، بخصوص آخر بند في وصية ويليام بند ماحدش كان يعرف عنه حاجة!
النهاية الأخيرة السر اللي ويليام سابه وراه! 
تاني يوم الصبح، رحت لمكتب المحامي دانيال، وأنا مش عارفة إيه المفاجأة الجديدة اللي مستنياني.
لقيته حاطط قدامه ملف رسمي، وبمجرد ما شافني قال
لورا، الخطاب ده بخصوص بند في وصية ويليام، والبند ده كان مرتبط بمشروع خيري قديم. لازم تقريه بنفسك.
فتحت الملف، ولقيت مستندًا بيؤكد إن ويليام كان قد خصص مبلغًا ماليًا لمؤسسة خيرية، بشرط استكمال الإجراءات القانونية والتأكد من الجهة المسؤولة عن إدارة الأموال.
المبلغ ماكانش جزءًا من ميراثي الشخصي، وماكانش من حقي أتصرف فيه بمفردي، لكنه كان كافيًا للمساعدة في تطوير برامج تعليمية ومهنية للأطفال والشباب المحتاجين.
سألت دانيال
يعني نقدر نكمل مشروع فرصة جديدة؟
ابتسم وقال
لو استوفيتوا شروط الوصية، وحصلت الموافقات اللازمة، تقدروا تقدموا خطة واضحة لإدارة المشروع
والاستفادة من الدعم المخصص له.
ما استنيتش لحظة.
جمعت فريق العمل، واتفقنا على خطة تشمل تدريب الشباب على المهن، وتوفير منح تعليمية، والتعاون مع جهات متخصصة لحماية الأطفال ومساعدتهم.
وبعد مراجعة المستندات والموافقات المطلوبة، بدأنا تنفيذ المشروع بصورة رسمية.
مرت سنة كاملة.
كبر مشروع فرصة جديدة، وانضم ليه شباب كتير، بعضهم اتعلم النجارة، وبعضهم اشتغل في صيانة الأجهزة، وغيرهم كملوا تعليمهم بعد ما كانوا فاقدين الأمل.
آدم بقى مشرفًا على التدريب، وسامح تولى مسؤولية قسم الصيانة، وكل واحد فيهم بقى عنده هدف واضح في حياته.
أما صوفي، فكانت بتزور المكان معايا في الإجازات، وتشارك في جمع الكتب والأدوات المدرسية للأطفال.
وفي يوم الاحتفال بمرور سنة على افتتاح المشروع، وقفت قدام الحضور، وكان أبويا ويوسف وأمي قاعدين في الصف الأول.
قلت لهم
أنا عشت جزءًا كبيرًا من حياتي وأنا فاكرة إن الإنسان اللي مالوش عيلة أو فلوس أو بيت ثابت، مستقبله خلاص اتحدد. لكن اكتشفت إن الظروف ممكن تصعّب الطريق، إنما مش من حقها تسلبنا الأمل. إحنا مش بنقدر نغير الماضي، لكن نقدر نختار نعمل إيه باللي اتعلمناه منه.
بصيت لصوفي، ولقيتها مبتسمة وهي ماسكة لوحة صغيرة كتبت عليها
كل طفل يستحق فرصة جديدة.
ماقدرتش أمنع دموعي.
افتكرت بن، اللي حاول يساعد غيره رغم ظروفه الصعبة، وويليام، اللي ساب وراءه وصية هدفها يتجاوز حدود ممتلكاته، وكل شخص ساعدني في رحلتي من غير ما يطلب مقابلًا.
بعد الاحتفال، رجعت البيت وفتحت الدرج اللي محتفظة فيه برسائل بن وويليام.
حطيت جنبهم صورة جديدة ليا أنا وصوفي وأمي وأبويا ويوسف، وصورة لفريق العمل في المشروع.
وقتها أدركت إن العيلة مش بس ناس بيجمعهم اسم واحد، وإن الأمان مش مجرد بيت كبير أو حساب في البنك.
الأمان إنك تعرفي حقك، وتحافظي عليه، وتعيشي بكرامة، وتلاقي ناس تحترمك من غير ما تحاول تتحكم في حياتك.
أما الأرض اللي بدأت بسببها كل الأسرار، فاتحددت حقوق أطرافها بالإجراءات القانونية، وماخدتش لورا أي حق مش من حقها، وماسمحتش لحد يسلبها حقها الحقيقي.
والمشروع الخيري استمر بتمويله المخصص وإدارته المستقلة، بعيدًا عن الخلافات القديمة.
وفي آخر يوم من السنة، كانت صوفي قاعدة جنبي، وسألتني
ماما، إنتِ مبسوطة دلوقتي؟
بصيت لها وابتسمت.
أيوه يا حبيبتي، مبسوطة؛ لأني بطلت أدور على قيمتي في اللي الناس تقدر تديهولي، وعرفت إن قيمتي موجودة جوايا من البداية.
سكتت شوية، وبعدين قالت
يعني إحنا مش محتاجين قصر عشان نكون سعداء؟
ضحكت وقلت
القصر مجرد مكان يا صوفي، إنما البيت الحقيقي هو المكان اللي نعيش فيه باحترام وأمان ومحبة.
جريت تجيب كتبها القديمة عشان تجهزها للأطفال، وأنا فضلت أبص لها وأحمد ربنا على كل خطوة وصلتني لليوم ده.
وهكذا انتهت رحلة لورا؛ مش بانتصارها على شخص، ولا بحصولها على ثروة، لكن باستعادتها لحقها، ولمّ شمل عيلتها، وتحويل تجاربها الصعبة إلى فرصة حقيقية لغيرها.
النهاية.

تم نسخ الرابط