في التاسعة والستين
مبنيًا على أسرار لم يخبرني بها أحد.
لكن الشيء الذي أخافني أكثر لم يكن الماضي.
بل المستقبل.
لأن دانيال أغلق الملف وقال
ماريان، كل ده مهم لكن في سبب واحد خلاني آجي لك الليلة.
إيه؟
نظر إلى آرثر.
ثم قال
إليانور لم تتصل بك من أستراليا.
تجمدت.
أمال مين اللي كلمني؟
قال
شخص يستخدم صوتها لتقودك إلى الصندوق.
ساد الصمت.
ثم أضاف
والشخص ده يعرف كل تحركاتك منذ يوم غادرتِ مصر.
نظرت إلى آرثر.
ثم إلى
دانيال.
وقبل أن أستوعب شيئًا، وصل إشعار إلى هاتفي.
رسالة جديدة.
من نفس الرقم الذي ادعى أنه إليانور.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
ماريان لا تثقي بدانيال.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة
لأنه هو الشخص الذي قتل زوجك تجمدت أصابعي فوق الهاتف.
قرأت الرسالة مرة أخرى.
ثم رفعت عيني نحو دانيال.
كان واقفًا أمامي بهدوء غريب.
قلت
بيقولوا إنك قټلت جوزي.
لم يتحرك.
فقط نظر إليّ لثوانٍ، ثم قال
كنت عارف إن الرسالة دي هتوصل لك.
يعني الكلام صحيح؟
لا.
قالها بثبات.
لكن الشخص اللي قتل زوجك كان يتمنى جدًا إنك تصدقي إني أنا اللي عملت كده.
اقترب آرثر منه.
دانيال افتح الملف الأخير.
تغير وجه دانيال.
مش هنا.
قلت بعصبية
افتحه! أنا تعبت من الأسرار!
ظل صامتًا.
ثم أخرج مفتاحًا
صغيرًا من جيبه، وفتح الجزء السفلي من الحقيبة التي يحملها.
أخرج ملفًا أحمر.
ووضعه أمامي.
ده تقرير الطبيب الشرعي الأصلي.
نظرت إليه.
كانت شهادة ۏفاة زوجي تقول إن الۏفاة كانت بسبب أزمة قلبية.
لكن التقرير الأصلي كان مختلفًا.
كان هناك أثر لمادة دوائية في دمه.
قلت
يعني اټسمم؟
أومأ دانيال.
نعم.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
مين سممه؟
قال
في البداية ظننت أنني أعرف.
مين؟
نظر إليّ.
زوجك نفسه.
شهقت.
إنت بتقول إيه؟
هو كان يأخذ الدواء بنفسه.
يعني اڼتحر؟
هز رأسه.
لا. الدواء الذي تناوله كان من المفترض أن يكون دواء قلبه، لكنه استُبدل.
ساد الصمت.
قلت
مين بدله؟
قال
الكاميرات اختفت.
والشخص اللي عمل كده؟
أجاب
دخل البيت بمفتاح.
فهمت فورًا.
حد من العيلة.
أومأ.
ثم قال
لكن
فيه شيء ما كنتش أعرفه إلا من أسبوع.
إيه؟
أشار إلى الصندوق.
الدواء نفسه كان مخبأ في الصندوق.
فتحت عيني على اتساعهما.
يعني الصندوق فيه دليل على قاټل جوزي؟
نعم.
وفجأة سمعنا صوت ارتطام قوي خارج الغرفة.
تجمدنا جميعًا.
قال آرثر
حد برا.
اقترب دانيال من الباب ونظر من العين السحرية.
ثم تراجع.
مش شخص واحد.
همست
مين؟
قال
ثلاثة رجال.
أمسكت بالصندوق بقوة.
ثم سمعت صوتًا من خلف الباب
ماريان افتحي.
كان صوت ابني الأكبر.
شعرت بقلبي ينقبض.
قال مرة أخرى
أنا عارف إنك جوه.
لم أتحرك.
ثم سمعت صوت رجل آخر.
والله يا أمي، أنا جاي أحميكي.
كان ابني الثاني.
ابني الذي قيل لي طوال حياتي إنه ابن إليانور.
ابني الذي اكتشفت للتو أنه ليس كذلك.
كانا الاثنان
خارج الغرفة.
ومعهما شخص ثالث.
لكن قبل أن أفكر فيما سأفعله، سمعت ابني الأكبر يقول
ماما لو ما فتحتيش الباب، هضطر أقول لك الحقيقة قدامهم.
اقتربت من الباب.
قلت
قولها.
صمت.
ثم قال
أبويا ما ماتش بسببنا.
سكت لحظة.
أبويا ماټ لأنه كان ناوي يعترف لك إنك مش أمنا الأربعة.
شعرت بالصدمة.
قال
إحنا الأربعة مش إخوات.
نظرت إلى آرثر.
ثم إلى دانيال.
وفجأة فهمت لماذا كانت إليانور تخاف.
ولماذا كان زوجي يخفي الأوراق.
ولماذا كان أبنائي يتصرفون كأن البيت ملك لهم.
لكن ابني الأكبر أكمل
وإنتِ يا ماما كنتِ الشخص الوحيد اللي جمعنا تحت سقف واحد.
ثم قال بصوت مكسور
بس الحقيقة إن كل واحد فينا ليه أم مختلفة.
فتحت الباب ببطء.
كان ابني الأكبر واقفًا أمامي.
وجهه
شاحب.
وخلفه ابني الثاني.
أما الرجل الثالث
فما إن رأيته حتى شعرت بأن ركبتيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
لأنه كان يشبه زوجي بشكل مخيف.
قال ابني الأكبر
ماما ده أخونا الخامس.
حدقت فيه.
أخونا الخامس؟
أومأ.
ثم قال
والليلة دي هو الوحيد اللي يقدر يقول لك مين قتل أبويا فعلًا لم أستطع أن أتحرك.
كنت أحدق في الرجل الواقف أمامي.
كان في منتصف الخمسينات تقريبًا، وشعره يشبه شعر زوجي، وحتى طريقة وقوفه كانت مألوفة بشكل مرعب.
قلت
إنت مين؟
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال
اسمي سامي.
وسامي ده ابنه؟
أشار إلى ابني الأكبر.
أخوكم.
ضحكت من شدة الصدمة.
أنا عندي أربعة أبناء فجأة بقيتوا خمسة؟
قال ابني الأكبر
إحنا نفسنا ما كناش نعرف كل حاجة.
تدخل
دانيال
كفاية. لازم ماريان تعرف الحقيقة كاملة.
دخلنا الغرفة وأغلق دانيال الباب.
جلسنا جميعًا.
ثم وضع سامي ظرفًا على الطاولة.
قال
أبويا أرسلهولي قبل ۏفاته بأسبوع.
نظرت إلى الظرف.
كان اسم زوجي مكتوبًا عليه.
فتح سامي الظرف وأخرج ورقة.
قال لي لو حصل لي حاجة، روح لماريان.
ثم ناولني الورقة.
قرأت
ماريان، سامحيني.
بدأت الدموع تنزل من عيني.
أنا قضيت عمري أحاول أحميك من حقيقة لم يكن من حق أحد أن يخفيها عنك.
أنتِ لم تنجبي أبناءك الأربعة بالطريقة التي تعتقدينها.
توقفت.
ثم تابعت.
لكن كل واحد منهم يحمل جزءًا من قصتي.
رفعت عيني.
كان أبنائي الأربعة ينظرون إليّ.
قال زوجي في الرسالة
ابنك الأكبر هو ابني من زواج سابق.
والثاني ابن إليانور.
والثالث ابن أختك.
شهقت.
أما السطر الأخير
فجعل يدي ترتجف
والرابع هو ابن
الرجل الذي قتلني.
رفعت رأسي ببطء.
مين الرجل ده؟
لم يجب أحد.
حتى سامي خفض عينيه.
قلت
مين؟!
قال دانيال
لازم تسمعي باقي الرسالة.
تابعت القراءة.
أما سامي فهو ابني الذي لم أعترف به أمام الناس.
وهو الشخص الوحيد الذي لم يدخل في صراعات العائلة.
لهذا أبعدته عنكم.
ثم جاء الجزء الذي جعلني أشعر بأنني لا أعرف الرجل الذي عشت معه أربعين عامًا
ماريان، أنا لم أختر أن أخفي الحقيقة لأنني كنت أكرهك.
بل لأنني كنت أحبك أكثر مما ينبغي.
لكن عندما اكتشفت أن أحد أبنائي يريد قتلي، حاولت أن أضع كل شيء باسمك حتى لا يستطيع أحد الوصول إليه.
ولهذا كان المنزل مهمًا.
توقفت.
المنزل.
فهمت الآن لماذا كانوا جميعًا مهووسين به.
زوجي لم يكن يريد أن
يترك لهم بيتًا.
كان يخفي فيه دليلًا.
لكن قبل أن أكمل، سأل سامي
هل وجدتِ الصندوق؟
نظرت إليه.
أيوه.
هل رأيتِ الورقة السوداء؟
لا.
تغير وجهه.
يبقى لسه حد أخدها.
قلت
إيه الورقة السوداء؟
قال
الورقة اللي فيها اسم الشخص اللي قتل أبويا.
ساد الصمت.
ثم فجأة رن هاتف ابني الأكبر.
نظر إلى الشاشة.
ثم شحب وجهه.
قلت
مين؟
قال
رقم أبويا.
تجمدنا جميعًا.
إيه؟
رقم أبويا القديم.
ضغط على زر الإجابة.
لم يتكلم أحد في البداية.
ثم جاء صوت رجل عبر الهاتف.
صوت هادئ.
لكنه كان واضحًا.
قال
ماريان أنا عارف إنك سمعتي كل حاجة.
نظرت إلى أبنائي.
ثم إلى آرثر.
ثم إلى دانيال.
وسمعت الصوت يكمل
وعشان كده، لازم أقولك الحقيقة قبل ما حد تاني ېموت.
سألته
إنت مين؟
ضحك بهدوء.
ثم قال
أنا
الشخص اللي كان زوجك بېخاف منه طول عمره.
توقف لحظة.
ثم نطق اسمًا واحدًا.
اسم جعل آرثر يقف من مكانه فجأة.
لأن الرجل الذي على الهاتف
كان أخو إليانور.
والذي كنا نظنه ميتًا منذ أكثر من أربعين سنة شعرت أنني لم أعد أفهم شيئًا.
أخو إليانور؟
المېت منذ أربعين سنة؟
نظرت إلى آرثر، فوجدته واقفًا مكانه وكأنه رأى شبحًا.
قلت
آرثر إنت تعرفه؟
لم يجب.
عاد الصوت من الهاتف
طبعًا يعرفني.
ثم ضحك.
آرثر كان أول واحد ساعدني أختفي.
تراجعت خطوة.
تختفي؟
قال
أيوه يا ماريان. أنا ما متش.
شعرت بأن رأسي يدور.
أمال مين اللي ماټ؟
رجل آخر.
سكت لحظة.
زوجي السابق كان يعرف الحقيقة، وأراد أن يخبرك بكل شيء. لكن قبل أن يفعل حدث ما
حدث.
صړخت
أنت اللي قټلته؟
جاء الرد هادئًا
لا.
ثم أضاف
لكنني أعرف من قټله.
نظر الجميع إليّ.
قلت
مين؟
قال
ابنك الأكبر.
شهقت.
ابني الأكبر اندفع نحو الهاتف
كداب!
لكن الرجل ضحك.
أنت تعرف أنني أقول الحقيقة.
صړخ ابني
إنت السبب في كل ده!
ثم انقطع الاتصال.
ساد الصمت.
التفتُّ إلى ابني.
قولي الحقيقة.
قال
ماما أنا ما قتلتش أبويا.
إذن ليه اتهمك؟
لم يجب.
اقترب سامي منه.
لأنك كنت آخر شخص شافه.
قال ابني
كنت بحاول أنقذه!
نظرت إليه.
أنقذه من مين؟
أغلق عينيه.
ثم قال
من أمي.
تجمدت.
أمك؟
نظر إليّ.
أمي الحقيقية.
ثم أشار إلى الصورة القديمة.
إليانور.
لم أستطع الكلام.
قال
هي اللي بدأت كل حاجة.
ثم أخرج هاتفه وفتح صورة.
كانت صورة حديثة.
امرأة تقف أمام مقهى.
شعرها أبيض.
وجهها أكبر سنًا.
لكنني عرفتها فورًا.
إليانور.
كانت
حية.
وتعيش في أستراليا.
لكن الصورة لم تكن الأغرب.
الأغرب كان المكان الذي التُقطت فيه.
كان أمام منزلي القديم.
قلت
دي كانت في مصر؟
أومأ.
منذ أسبوع.
شعرت بقشعريرة.
كل هذا الوقت
كانت إليانور قريبة مني.
ثم تذكرت رسالتها.
لا تثقي في أي شخص يطلب منك العودة إلى مصر.
ربما لم تكن تريدني أن أعود.
ربما
كانت تعرف أن هناك شخصًا ينتظرني.
لكن لماذا أرسلتني إلى الصندوق؟
وقبل أن أسأل، دخلت رسالة جديدة إلى هاتفي.
هذه المرة من إليانور نفسها.
ماريان، أنا آسفة.
ثم رسالة ثانية
لكن لازم تشوفي الحقيقة بعينيك.
ثم أرسلت عنوانًا.
لم يكن في أستراليا.
كان في مصر.
عنوان منزلي القديم.
وتحت العنوان كتبت
تعالي وحدك.
نظرت إلى آرثر.
قال
ما تروحيش.
لكنني هذه المرة ابتسمت.
قلت
أنا قضيت تسعة وستين سنة وأنا بعيش حسب خوفالآخرين.
ثم أخذت حقيبتي.
المرة دي أنا اللي هقرر.
وفي اليوم التالي، عدت إلى مصر.
لكن عندما وصلت إلى المنزل القديم، لم أجد إليانور.
وجدت الباب مفتوحًا.
دخلت ببطء.
كان كل شيء كما تركته تقريبًا.
إلا غرفة نومي.
كان السرير مقلوبًا.
والخزانة مفتوحة.
وعلى المرآة كُتبت جملة واحدة بأحمر الشفاه
مبروك يا ماريان أخيرًا رجعتي لبيتك.
وتحتها مباشرة
دلوقتي اختاري أي واحد من أبنائك ھيموت.