وأنا بحمّم بنتي اللي عندها 6 سنين
صوت شيء ثقيل وقع فوق السطح قطع كلامها.
دووووم!
اهتزت الشقة كلها.
جريت أقفل باب الشقة بالمفتاح والسلسلة.
وفي نفس اللحظة وصلني اتصال من رقم غريب.
رديت فورًا.
صوت راجل كبير في السن قال
الأستاذ رؤوف؟
أيوة.
أنا البواب القديم للعمارة اللي كانت ساكن فيها أختك.
اتخضيت.
خير؟
صوته كان متوتر جدًا.
البنت عندك؟
آه.
تنفس براحة.
وبعدين قال جملة خلت جسمي يقشعر
خلي بالك منها كويس لأن قبل ما أمشي من الشغل بشهر، شفت حد خارج بيها من المخزن تحت العمارة الساعة اتنين الفجر.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
مين؟
ما شفتش وشه.
وإيه اللي حصل؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
البنت كانت نايمة على كتفه.
بلعت ريقي.
وبعدين؟
تاني يوم سألتها لو كانت تعبانة.
قالت إيه؟
قالتلي جملة عمري ما نسيتهاش.
سكت الرجل.
كأنه مش قادر ينطق.
صرخت
قالت إيه؟!
رد بصوت منخفض
قالت أنا لما بصحى في المخزن، ببقى فاكرة إني حلمت.
في نفس اللحظة
ريم شدت طرف قميصي.
وبصت ناحية الشباك.
وشها اتحول للون الأبيض.
ورفعت صباعها المرتعش.
يا خالو
لفيت بسرعة.
ستارة البلكونة كانت بتتحرك.
مع إن كل الشبابيك مقفولة.
ووراء الستارة مباشرة
كان ظاهر ظل شخص واقف في البلكونة.
شخص ساكن تمامًا.
كأنه كان واقف هناك من البداية
وبيسمع كل كلمة بنقولها شهقت والتفت بسرعة.
العصاية في إيدي ارتفعت تلقائيًا.
لكن الصالة كانت فاضية.
مافيش حد.
ولا أي حركة.
ريم صرخت وجرَت استخبت ورا الكنبة.
أما أنا ففضلت أبص في كل ركن.
المطبخ.
الممر.
باب الحمام.
كل حاجة كانت مقفولة.
رجعت أبص للصورة مرة تانية.
كبرتها.
وكان ساعتها إنعكاس الشخص أوضح.
مش واقف ورايا بالضبط
كان واقف عند آخر الممر.
مكان ما بيبدأ السلم الداخلي المؤدي للسطح.
وفجأة افتكرت.
البيت ده قديم.
وفيه باب صغير فوق السلم محدش بيستخدمه تقريبًا.
باب بيطلع لمساحة تخزين ضيقة بين السقف والسطح.
مكان كنت ناسي وجوده أصلًا.
وفي اللحظة دي
سمعنا صوت خربشة خفيفة جاية من فوق.
خربشة
ثم خبط خفيف.
ثم سكون.
رفعت الموبايل وصورت السلم من بعيد.
وكبرت الصورة.
وحسيت قلبي وقف.
الباب الصغير اللي فوق
كان مفتوحًا سنتيمترين.
مع إني متأكد إنه كان مقفول.
أخدت ريم ودخلتها أوضتي.
قفلت الباب.
وخليتها مع الموبايل.
لو حصل أي حاجة اتصلي برقم ماما فورًا.
هزت رأسها وهي مرعوبة.
طلعت السلم ببطء.
درجة
درجة
لحد ما بقيت قدام الباب.
الخربشة وقفت.
الصمت بقى خانق.
مديت إيدي.
ودفعت الباب.
صرررر
اتفتح ببطء.
والضلمة كانت مالية المكان.
شغلت كشاف الموبايل.
الضوء لف على صناديق قديمة وتراب متراكم.
ثم وقف على شيء في آخر الركن.
كرسي.
كرسي أطفال صغير.
مترب.
لكن عليه شيء غريب.
ورقة مثبتة بشريط لاصق.
قربت أكثر.
ونزعتها.
وكان مكتوب عليها
اسألها عن النجوم.
تجمدت.
النجوم؟
نزلت بسرعة عند ريم.
لقيتها قاعدة على السرير حاضنة عروستها.
وريتها الورقة.
أول ما قرأتها
وشها شحب.
وسألتها بهدوء
ريم إيه حكاية النجوم؟
بدأت صوابعها ترتعش.
ثم رفعت كم البيجامة ببطء.
على ذراعها الصغير
كانت فيه علامات نجوم مرسومة بقلم أسود.
نجمة واحدة.
نجمتين.
ثلاث.
وأرقام جنب كل واحدة.
حسيت الدنيا بتسود قدامي.
مين رسم ده؟
همست
كان بيعدهم.
مين؟
الراجل.
أي راجل؟
نزلت دمعة من عينها.
وقالت
كل مرة أنزل المخزن كان يحط نجمة.
صوتي خرج مبحوحًا
ليه؟
هزت رأسها.
ماعرفش.
لكن قبل ما تكمل
وصلت رسالة صوتية جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها فورًا.
وفيها صوت رجل عجوز متوتر
لو سمعت الرسالة دي يبقى الوقت خلص. افتح الصندوق الأخضر قبل ما يوصلوا له.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
أنا وريم بصينا لبعض.
لأن فوقنا مباشرة
في غرفة التخزين الصغيرة
كان يوجد صندوق واحد فقط لونه أخضر.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت مفتاح يدور ببطء في باب الشقة الرئيسي من الخارج.
كأن شخصًا يملك نسخة من المفتاح
وكان يحاول الدخول الآن اتسمرت مكاني.
الظل ما اتحركش.
ولا سنتيمتر.
بس وجوده لوحده كان كفاية يخلي الدم يتجمد في عروقي.
سحبت ريم ورا ضهري بسرعة.
ومسكت أول حاجة وقعت تحت إيدي.
عصاية خشب صغيرة كنت محتفظ بيها جنب الباب.
ادخلي الأوضة واقفلي الباب من جوة.
ريم هزت رأسها بعنف.
لا متسبنيش.
قبل ما أقدر أرد
الستارة اتحركت تاني.
لكن المرة دي بسبب هواء دخل فجأة.
قربت بحذر.
خطوة
وخطوة
وكل عضلة في جسمي مشدودة.
ومرة واحدة
شديت الستارة.
البلكونة كانت فاضية.
مافيش حد.
لكن على الأرض كان في ظرف أبيض.
لسه جديد.
كأن حد حطه حالًا ومشي.
التقطته بسرعة.
ورجعت قفلت باب البلكونة بالمفتاح.
فتحت الظرف.
كان جواه مفتاح قديم صغير.
ومعه ورقة مكتوب عليها
لو عايز تعرف الحقيقة افتح المخزن رقم 7.
في اللحظة دي رن موبايل منى.
رديت فورًا.
منى، مين غير شريف يعرف موضوع المخزن؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
في شخص واحد.
مين؟
صاحب العمارة.
قطبت حاجبي.
ماله؟
صوتها بقى أضعف.
لما كنت بنقل حاجتي من الشقة القديمة، سمعته بيتخانق مع شريف بسبب أوضة تحت الأرض.
مخزن 7؟
سكتت.
وده كان كفاية يفهمني الإجابة.
وفجأة
ريم كانت واقفة تبص للمفتاح.
بعينين متسعتين.
أنا أعرف المفتاح ده.
نزلت لمستواها فورًا.
منين؟
قالت بصوت مرتعش
كان مع الراجل.
أي راجل؟
اللي كان بينزلني المخزن.
قلبي خبط بعنف.
شفتي وشه؟
هزت رأسها بالموافقة.
ولأول مرة منذ بدأت تحكي
قالت اسمًا.
اسمًا ما كنتش متوقعه أبدًا.
همست
الراجل ده كان عم محمد.
تجمدت.
عم محمد؟
حارس العمارة القديم.
الرجل الهادئ اللي كل السكان كانوا بيحبوه.
الرجل اللي مات من سنة كاملة
ودفنوه بنفسهم.
بصيت لريم وأنا حاسس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
إنتِ متأكدة؟
هزت رأسها.
هو نفسه.
وقبل ما أتكلم
وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة حديثة ملتقطة قبل دقائق.
صورة لشقتي من الخارج.
والأخطر
أن الصورة كانت موجهة نحو شباك الصالة.
يعني صاحبها لسه قريب جدًا.
لكن اللي خلاني أوقف أنفاسي فعلًا
إن الصورة أظهرت شيئًا لم ألاحظه.
في انعكاس زجاج الشباك
كان فيه شخص واقف داخل الشقة.
خلفي مباشرة.
بينما أنا وريم كنا لوحدنا تسمرت في مكاني.
صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان واضح جدًا.
لفة
ثم لفة تانية.
لكن الباب ما اتفتحش.
السلسلة اللي ركبتها من جوه منعته.
ثواني من الصمت مرت.
وبعدين سمعنا نفس الشخص يجرب مفتاحًا آخر.
ريم كانت ماسكة إيدي بقوة لدرجة إنها وجعتني.
همست
يا خالو هو لاقانا.
رفعت إصبعي على شفايفي.
أطلب منها السكوت.
ثم سحبْتها معايا بهدوء ناحية السلم الصغير المؤدي لغرفة التخزين.
كان لازم أعرف إيه اللي جوه الصندوق الأخضر قبل ما اللي برا يدخل.
طلعنا بسرعة.
فتحت الباب الصغير.
ودخلت.
الكشاف اتحرك على الصندوق.
كان قديمًا ومغطى بالتراب.
لكن الغريب إن عليه قفل جديد نسبيًا.
نظرت للمفتاح اللي وصلني في الظرف.
وأدخلته.
دخل من أول مرة.
تك.
القفل اتفتح.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت ارتطام قوي في باب الشقة الرئيسي.
كأن حد رماه بكتفه.
مرة.
ثم مرة تانية.
فتحت الصندوق بسرعة.
وفي البداية ظننت أنه مليان أوراق عادية.
لكن لما رفعت أول ملف
اكتشفت إنه مليان صور.
صور كثيرة.
مرتبة بالتواريخ.
وفي كل صورة طفل مختلف.
أولاد وبنات.
أعمارهم صغيرة.
وبجانب كل صورة ملاحظات مكتوبة بخط اليد.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
ثم وجدت صورة ريم.
كانت أصغر سنًا.
وفي أسفل الصورة مكتوب
تحب الرسم. تخاف من الظلام. لا تتكلم كثيرًا.
قبضت على الصورة بقوة.
ريم لم تفهم ما رأت.
لكنها اختبأت خلفي أكثر.
وتحت الصور كان يوجد دفتر أسود.
فتحته بسرعة.
أول صفحة كانت عبارة عن أسماء.
عشرات الأسماء.
ثم عناوين.
ثم ملاحظات.
وفي آخر صفحة
وجدت شيئًا لم أتوقعه.
اسم أختي منى.
لكن بجانبه كلمة واحدة فقط
حاولت الاعتراض.
في تلك اللحظة دوى صوت قوي أسفلنا.
ثم صوت تحطم.
نزلت الدماء من وجهي.
لقد انكسر الباب الرئيسي.
الشخص الذي بالخارج دخل الشقة.
توقفنا عن التنفس.
ثم سمعنا خطوات.
بطيئة.
هادئة.
تسير داخل الصالة.
كأن صاحبها يعرف المكان جيدًا.
خطوة
خطوة
خطوة
ثم توقف.
وبعد ثوانٍ
وصلنا صوته من أسفل السلم مباشرة.
صوت رجل لم أسمعه من قبل.
هادئ بصورة مرعبة.
وقال
أنا عارف إنكم فوق.
ثم ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
وبعدها قال الجملة التي جعلت قلبي يهبط إلى قدمي
وخلي بالك يا رؤوف مش أنا اللي كنت مراقب ريم.
ثم بدأ يصعد السلم تراجعت خطوة للخلف وريم بذراع، والدفتر الأسود بالذراع الأخرى.
الخطوات كانت تقترب.
درجة
ثم درجة أخرى
الرجل لم يكن مستعجلًا.
وهذا ما جعله أكثر رعبًا.
لو كان مجرمًا هاربًا لركض.
لو كان خائفًا لتردد.
أما هو فكان يصعد وكأنه يعرف أنه سيصل إلينا في النهاية.
نظرت حولي بسرعة.
غرفة التخزين صغيرة.
لا يوجد مخرج.
ولا مكان للاختباء.
وفجأة تذكرت هاتفي.
اتصلت بالرقم الذي أرسل الرسائل المجهولة.
المرة الأولى لم يرد.
المرة الثانية
جاء الرد فورًا.
لكن لم يتكلم أحد.
سمعت فقط صوت أنفاس متوترة.
صرخت
مين أنت؟!
وجاءني الرد أخيرًا.
صوت رجل مسن.
افتح الصفحة الأخيرة من الدفتر.
قلبت الصفحات بسرعة.
كانت هناك ورقة مطوية ومخفية داخل الغلاف
الخلفي.
فتحتها.
وتجمدت.
كانت خريطة