دفع زوجته الحامل من المروحية طمعًا في الميراث… لكنه لم يكن يعلم أنها أعدّت له مفاجأة قلبت حياته!
المحتويات
وقاسيًا في حال الوفاة العرضية تحت ظروف يكتنفها الشك، تُجمَّد جميع الأصول والحسابات والصناديق والعقارات والأسهم وحقوق السيطرة تلقائيًّا، وتُنقل الإدارة المؤقتة إلى مؤسسة مستقلة غير قابلة للنقض، إلى حين انتهاء تحقيق قضائي كامل ومعتمد. لم يكن ذلك البند مجرد نص قانوني بارد؛ كان صرخة أبٍ خبير بالعالم يقول لابنته من وراء السنوات لا تثقي كثيرًا في المظاهر، ولا تسلمي ما بنيته لمن يبتسم كثيرًا.
ثم وقّعت وثيقة أخرى أكثر تحديدًا، أمام جهة موثقة لا يمكن الطعن فيها، تنص على أن ريتشارد، مهما كانت صفته الزوجية، لا يملك حق وراثة أي جزء من ثروتها إذا ارتبطت وفاتها بأي شبهة أو أي تحقيق مفتوح أو أي حادث يقع في ظرف قابل للتأويل الجنائي. لم يكن ذلك انتقامًا، بل حماية. لم تكن تريد الانتقام بعد. كانت تريد فقط أن تحرم الجشع من جائزته.
لكن أميليا لم تتوقف عند الأوراق.
كانت تعرف أن من يخطط لشيء كبير لا يوقفه مستند واحد، وأن الرجل الذي راقب تحركاتها سنوات وأخفى نواياه بهذا الإتقان لن يتراجع بسهولة إذا شعر بأن الطريق المالي أُغلق في وجهه. لذلك بدأت تعدّ نفسها لاحتمال أسوأ، احتمال لم تكن تملك دليلًا مباشرًا عليه بعد، لكنه كان ينمو في حدسها يومًا بعد يوم أنه لن يكتفي بمحاولة الوصول إلى أموالها وهي حية بل قد يفكر في حياتها نفسها.
ومنذ تلك اللحظة، تغير كل شيء في تفاصيلها الصغيرة.
صارت تحفظ نظراته أكثر.
تعدّ المرات التي يسأل فيها عن ترتيبات الوصية.
تنتبه متى يفتح موضوع التأمين.
تسجل في ذهنها تلميحاته عن المستقبل والاستقرار وضرورة ترتيب كل شيء قبل ولادة الطفل.
كانت تعلم أن بعض الناس لا يعترفون بنواياهم أبدًا، لكنهم يتركونها تتسرب في الكلمات، في القلق المصطنع، في الفضول الزائد، في الأسئلة التي تبدو بريئة وهي ليست كذلك.
ثم بدأ يلحّ على الرحلات الخاصة.
العطلات المنعزلة.
المفاجآت الرومانسية.
المساحات المرتفعة.
الأماكن التي تقلّ فيها الشهود.
والطرق التي يمكن أن يبدو فيها كل شيء حادثًا مأساويًّا فحسب.
حينها تأكدت أميليا أن الشك لم يعد مجرد شك.
بدأت تبحث بصمت عن حلول لا تخطر على البال. لم تكن امرأة متهورة، ولم تكن بطلة أفلام، لكنها كانت غنية بما يكفي لتحصل على أفضل الخبراء، وذكية بما يكفي لتفعل ذلك من غير أن تُرى. من خلال شبكة صغيرة للغاية من الأشخاص الموثوقين، حصلت على تدريب خاص على جهاز أمان جوي خفيف مخصص لحالات الطوارئ فوق المسطحات المائية وعلى الارتفاعات القصيرة إلى المتوسطة. لم يكن مظلة تقليدية ضخمة يمكن رصدها بسهولة، بل نظامًا مصممًا خصيصًا ليبقى خفيًّا قدر الإمكان، سريع الاستجابة، مدمجًا تحت الملابس إلى حد لا يلفت النظر إلا لعين خبيرة جدًا.
تدرّبت.
مرة.
ومرتين.
وعشر مرات.
لم يكن التدريب سهلًا، لا على الجسد ولا على الأعصاب. كانت حاملًا، وتحتاج إلى دقة مضاعفة، وإلى مراجعات طبية مستمرة، وإلى إشراف صارم يوازن بين السلامة والسرية. لكنها أصرت. كانت تعرف أنها لا تتدرّب على قفزة، بل على النجاة. على لحظة فاصلة قد يُكتب بعدها مستقبل طفلها كله.
وفي الليالي الطويلة، بعدما ينام ريتشارد إلى جوارها بوجه هادئ يثير الغثيان في قلبها، كانت تستيقظ وتجلس وحدها في غرفة الجلوس المظلمة، وتعيد في رأسها المشهد مرة بعد مرة. كيف ستتحرك. أين سيثبت الجهاز. متى ينبغي أن تتماسك. كيف ستتنفس إذا جاءتها الصدمة. كيف ستمنع الذعر من شلّها. كيف ستصرخ لتقنعه. كيف ستحمي بطنها أثناء السقوط. كيف ستثبت عينيها على نقطة في الفراغ بدل أن
تستسلم للرعب.
لم تكن تخشى الموت بقدر ما كانت تخشى أن ينجح هو.
وهكذا جاء ذلك اليوم.
اليوم الذي بدأ في ظاهره كأي يوم من حياة زوجين أثرياء يبدوان للناس وكأنهما يملكان العالم كله. كانت الشمس عالية، والسماء صافية، والهواء نقيًّا على نحو مخادع، والبحر يمتد تحت الأفق بلمعانه الهادئ كأنه يعد بالسلام. ارتدت أميليا فستانًا خفيفًا يناسب الرحلة، ووضعت لمسات بسيطة على وجهها، وابتسمت للكاميرات حين التقط لهما أحد العاملين صورة قبل الإقلاع. وقف ريتشارد إلى جوارها بثقة رجل يحب أن يُرى، ووضع يده على ظهرها بحنان متقن التمثيل، بينما كانت هي تشعر ببرودة تلك اليد كأنها قطعة معدن.
أقلعت المروحية.
وارتفعا.
كل شيء في الخارج بدا جميلًا حدّ الإيلام.
المدينة من بعيد صارت صغيرة، والطرق مجرد خيوط، والمياه صفحة واسعة لا تنتهي، والشمس تنعكس فوقها مثل ذهب سائل. ولو أن أحدًا رأى أميليا في تلك اللحظة لظن أنها امرأة تنعم بلحظة صفاء نادرة، لكن الحقيقة أنها كانت تحصي الثواني، وتراقب اتجاه الطيران، وتنتظر تلك النقطة التي سيشعر فيها هو أن الفرصة قد صارت كاملة.
وكانت تعرف أنها آتية.
حين بدأ يغيّر المسار تدريجيًّا نحو منطقة أكثر عزلة، لم تنظر إليه مباشرة. فقط أحسّت بذلك في جسدها. في ميل المروحية. في انحراف الطريق. في الابتعاد عن خطوط الملاحة المعتادة وعن القوارب الظاهرة من تحتهم. وحين تحدث أخيرًا، بصوته الناعم المائل إلى الإغراء، كانت قد فهمت أن الستار الأخير بدأ يرتفع.
قال اقتربي قليلًا من الباب سيكون المنظر أجمل من هناك.
نظرت إليه.
ابتسمت كما يجب.
ثم تحركت.
كانت الخطوة الأصعب في حياتها كلها هي تلك الخطوة التي أخذتها نحوه وهي تعرف أنه يريد قتلها. خطوة واحدة فقط، لكنها اختصرت أعوامًا من الخداع، وأيامًا من التخطيط، وثواني من الرعب الصافي. اقتربت من الباب المفتوح، وضرب الهواء وجهها، وتلاعب بشعرها، وشعرت للحظة أن العالم كله صار فجأة حادًّا جدًا، واضحًا جدًا، كأن الحواس في لحظات الخطر لا تعمل بطريقة البشر العاديين، بل بطريقة أخرى أشد قسوة.
ثم جاء الاندفاع.
قبضته.
الحركة العنيفة.
الفراغ.
لم يكن السقوط كما تصفه الكلمات. الكلمات دائمًا أضيق من الحقيقة حين يتعلق الأمر بالهواء والموت والصدمة. أحست بأن الأرض انسحبت من الوجود كله. بأن جسدها لم يعد يفهم أين الأعلى وأين الأسفل. بأن صوتها خرج منها لكنه لم يعد ملكها. كان الهواء يصفعها من كل الجهات، والسرعة تمزق الإدراك نفسه، والخوف يندفع في الدم كالنار. ومع ذلك، وفي قلب هذا الرعب الكامل، كانت هناك نقطة باردة من الوعي لم تنطفئ.
الآن.
هذا هو الوقت.
صرخت، نعم.
لكنها صرخت له.
لكي يصدق.
لكي يرى الذعر على وجهها فيطمئن.
لكي يظن أن خطته نجحت.
ثم، حين ابتعدت المسافة الكافية بين جسدها والمروحية، فعّلت الآلية.
وانفتح الجهاز.
لم يكن انفجارًا بصريًّا هائلًا، بل استجابة محسوبة، سريعة، ذكية. أحست بالجذب المعاكس يهز جسدها بقوة، وبالهبوط يتحول من اندفاع قاتل إلى انكسار متدرج في السرعة. كان الألم موجودًا، والرعب موجودًا، والماء الذي اقترب بعدها لم يكن رحيمًا، لكن الموت لم يعد يملك السيطرة.
دخلت البحر بعنف شديد.
أطبق الماء البارد عليها دفعة واحدة، وابتلع الصوت والضوء والهواء، ثم لفظها بعد لحظات ثقيلة لا تُقاس بالثواني بل بالإرادة. خرجت إلى السطح وهي تلهث، والملح يلسع عينيها، والقلب يضرب صدرها بجنون، والجسد كله يرتجف بين الصدمة والانتصار. وضعت يدها على بطنها قبل أي شيء.
كانت تلك الحركة غريزية، أعمق من التفكير.
أنا هنا.
وأنت هنا.
ونحن لم ننتهِ.
في الأعلى، كان ريتشارد يراقب.
وربما كانت تلك أول مرة في حياته يرى فيها شيئًا
متابعة القراءة