سألتني الطفلة الصغيرة إن كنتُ أستطيع أن أكون والدها حتى تموت
سألتني الطفلة الصغيرة إن كنتُ أستطيع أن أكون والدها حتى تموت
لكنني رفضت بسبب شيء واحد. تلك كانت كلماتها بالضبط. سبع سنوات فقط، جالسة على سرير المستشفى وأنابيب الأكسجين في أنفها، تنظر إليّ غريب تمامًا، راكب درّاجة ضخم الشكل وتطلب مني أن أتظاهر بأنني والدها للمدة المتبقية من حياتها.
أنا رجل يبلغ من العمر 58 عامًا، اسمي مايك. عندي وشوم تغطي ذراعيَّ بالكامل، ولحية طويلة تصل إلى صدري، وأركب مع نادي الدراجات النارية The Defenders.
أتطوّع في مستشفى الأطفال كل يوم خميس لقراءة القصص للأطفال المرضى. هذا تقليد بدأه نادينا قبل خمسة عشر عامًا بعدما قضت حفيدة أحد الإخوة شهورًا في قسم الأورام للأطفال.
معظم الأطفال يخافون مني في البداية. أتفهم ذلك. فأنا ضخم وصاخب وأبدو كأنني خرجت من فيلم عن عصابات الدراجات النارية، لا من مستشفى أطفال. لكن بمجرد أن أبدأ القراءة، ينسون شكلي ولا يبقى أمامهم إلا القصة.
هذا ما ظننته سيحدث مع أمارة.
دخلتُ الغرفة 432 في ظهيرة خميس من شهر مارس. الممرضة حذّرتني أنها مريضة جديدة. سبع سنوات. سرطان عصبي من المرحلة الرابعة. لم يزرها أحد من عائلتها طوال الثلاثة أسابيع التي كانت فيها بالمستشفى.
سألتُها مافيش عيلة خالص؟
شدّ وجه الممرضة قليلاً وهي تقول
أمها تركتها هنا. أحضرتها للعلاج وما رجعتش. حاولنا نتواصل معها أسابيع. خدمات حماية الطفل تدخلوا، بس أمارة ماعندهاش أيّ حد غيرها. هتروح حضانة لما تستقر حالتها وتقدر تخرج.
قلت لها ولو ما استقرّت حالتها؟
أشاحت الممرضة بنظرها وهي تقول
هتموت هنا لوحدها.
وقفتُ دقيقة كاملة خارج الغرفة 432 قبل ما أقدر أدخل. أنا قرأتُ لأطفال يحتضرون قبل كده. لكن طفل يموت وهو وحده تمامًا؟ هذا مستوى جديد من الجحيم.
طرقتُ الباب بلطف ودخلت.
قلت هاي، أنا مايك. جيت أقرألك قصة لو حابة.
التفتت إليّ الطفلة على السرير. كانت تملك أكبر عينين بُنيّتين رأيتهما في حياتي. شعرها اختفى من العلاج الكيميائي. بشرتها كانت تميل للرمادي علامة واضحة إن الجسم صار مرهقًا جدًا. لكنها ابتسمت لما شافتني.
قالت بصوت صغير مبحوح إنت كبير قوي.
ضحكت وقلت آه، الناس بتقول كده. ورفعت الكتاب بيدي.
عندي قصة عن زرافة بتتعلم ترقص. تحبي تسمعيها؟
هزّت رأسها. فجلست وبدأت أقرأ.
كنت في منتصف القصة لما قاطعَتني
مستر مايك؟
أيوه يا حبيبتي؟
عندك أولاد؟
هذه الجملة ضربتني في صدري.
قلت كان عندي بنت. ماتت وهي عندها ستاشر سنة. حادث عربية. من عشرين سنة.
سكتت أمارة لحظة، ثم سألت
بتوحشَك إنك تكون أب؟
شدّ حلقي. قلت كل يوم كل يوم يا حبيبتي.
قالت أمارة
بابايا سابني قبل ما أتولد. وماما جابتني هنا ومارجعتش. الممرضات بيقولوا إنها مش هترجع تاني.
لم أعرف ماذا أقول. ماذا تقول لطفلة في السابعة، تحتضر وقد تخلّى عنها الجميع؟
واصلت أمارة
الأخصائية قالت إني هاروح لأسرة بديلة لما أخفّ. بس سمعت الدكاترة بيتكلموا. هما مش مصدقين إني هخف.
قلت حبيبتي
لكنها قالت بهدوء غريب، أكبر من عمرها بكثير
عادي. أنا عارفة إنّي هموت. كلهم فاكرين إني مش فاهمة، بس أنا فاهمة. سمعتهم بيقولوا السرطان منتشر في كل جسمي. قالوا يمكن ست شهور يمكن أقل.
وضعت الكتاب جانبًا وقلت أمارة أنا آسف.
نظرت إليّ بعينيها الواسعتين وسألت
مستر مايك أقدر أسألك سؤال؟
أي حاجة.
هتكون بابايا؟ لحد ما أموت؟ أنا عارفة إن مش باقي وقت كتير. بس دايمًا كان نفسي يبقى عندي بابا. وإنت طيب وإنت كمان بتوحشك بنتك. يمكن نساعد بعض؟
شعرت وكأن أحدهم طعنني في صدري. طفلة تحتضر، وحدها وتحاول أن تساعدني أنا؟ تحاول أن تجعل حرمانها وسوء حظها شيئًا مفيدًا لي؟
قلت بصوت مرتجف
يا حبيبتي أنا يشرفني أكون باباكي بس مقدرش لأنني
لقد عشتُ ثمانيةً وخمسين عامًا على هذه الأرض، وكنت أظن أنني رأيتُ كل أنواع الانكسار التي يمكن لرجل أن يمرّ بها. كنت مخطئًا. لم أكن قد سمعت بعد سؤال طفلة تحتضر تقول لي
مستر مايك ممكن تبقى بابايا لحد ما أموت؟
تلك الجملة لم تبدُ وكأنها تنتمي للعالم الذي نعيش فيه. ليس بذلك اللطف في صوتها، ولا بذلك الثقل الذي حملته. كلماتٌ خرجت من طفلة عمرها سبع سنوات، جسدها بالكاد صامد لكن عينيها ما زالتا تبحثان عن الأمل، كما يبحث البحّار الضائع عن ضوء المنارة.
اسمي مايك.
أنا الرجل الذي يتجنّب الناس مشارعته الطريقلحية رمادية طويلة، ذراعان مغطّاتان بوشوم قديمة بأسلوب السجون، ووجه محفور بسنوات من القرارات السيئة والكثير من الأميال على درّاجتي الهارلي. قضيت أكثر من ثلاثين عامًا مع نادي الدراجات النارية The Defenders.
الناس عادةً يرون السترة الجلدية والدراجة ويفترضون أننا مشكلة.
لكن حقيقتنا؟
نحن عائلة رجال عرفوا الظلام ويحاولون بكل طاقتهم أن يواجهوه.
منذ خمسة عشر عامًا، فقد أحد إخوتنا حفيدته بسبب السرطان. رؤيته ينهار في ممرّ المستشفى حطّم شيئًا في داخلنا جميعًا. هناك، أقسمنا قسمًا
لا طفل يحارب هذا المرض يجب أن يقاتل وحده.
ومنذ ذلك اليوم، يزور أحدنا مستشفى الأطفال كل خميس بعد الظهر ليقرأ القصص، ويحضر الألعاب، أو فقط يجلس مع طفل لا يستطيع أهلهأو لا يريدونأن يكونوا معه
ظننت أن الأمور ستكون هكذا مع الفتاة الجديدة في الغرفة 432.
توقف قلبي.
أقسم أنني شعرت بذلك.
ليس لأنني لا أريد بل لأنها ما كان لازم تسأل السؤال ده أصلاً.
طفلة لا يجب أن تضطر لطلب الحب.
عيناها لم تتوسلا.
هما أملتا.
والأمل القادم من طفلة بأنابيب وجهاز يغذيها سلاح.
شيء في صدري انكسر وتعافى في اللحظة نفسها.
قلت بصوت متهدّج
يا روحي يشرفني.
أضاء وجهها كله.
كأن شروق شمس انفجر داخل الغرفة.
تمام يا بابا. همست.
كمّل القصة؟
أكملت كل القصص التي أحضرتها. ثم أحضرت غيرها. ثم بقيت ثلاث ساعات أمسك يدها وهي نائمة. وعندما خرجت، شعرت أن جزءًا ناقصًا مني عاد إلى مكانه.
اسمها كان أمارة.
ومن ذلك اليومالساعة الثانية تمامًاكنت في الغرفة 432. دائمًا.