سكبت الميّه على راسي…روايات احمد عمار حصرى

لمحة نيوز

احتجتش أصرخ.
لأن الأوراق اتكلمت.
والتسجيلات اتكلمت.
والكاميرات اتكلمت.
والقانون اتكلم.
وأهم حاجة...
أنا اتكلمت.
أما مدام سعاد...
فآخر مرة سمعت عنها كانت بعد شهور.
كانت باعتة رسالة لصديقة مشتركة.
وقالت
أنا ماكنتش أعرف إنها قوية كده.
لما الكلام وصلني...
ضحكت.
وقلت
هي لسه فاهمة غلط.
أنا ماكنتش قوية يومها.
أنا كنت واحدة اتظلمت...
وقررت ما تسمحش للظلم إنه يتكرر.
القوة مش إنك تقدر ترد الضړبة.
القوة إنك تعرف إمتى ترد...
وإمتى تسيب القانون يرد مكانك.
أما كريم...
فكل ما كان يحاول يبدأ حياته من جديد...
كان بيلاقي آثار اللي عمله.
مش لأنني كنت بطارده.
لكن لأن الحقيقة ما بتموتش.
الناس اللي كانوا بيضحكوا معاه...
بعدوا عنه.
اللي كانوا بيتصوروا جنبه...
بقوا يتجنبوه.
واللي كان فاكرهم أهله وسنده...
اكتشف إن كل واحد فيهم كان
بيحاول ينقذ نفسه.
وفي الآخر...
فضل لوحده.
وده كان أقسى عقاپ.
مش الفلوس.
ولا الشركة.
ولا القضية.
ولا الڤضيحة.
إنه يفتكر كل يوم...
إنه كان عنده زوجة بتحبه.
وبنت كانت لسه جاية الدنيا.
وكان ممكن يبقى عنده بيت.
وعيلة.
وحياة.
لكنه اختار الطمع.
واختار الإهانة.
واختار يصدق إن الضعيف هو اللي ساكت.
فاكتشف متأخر جدًا...
إن أهدى شخص في الغرفة...
ممكن يكون أخطر شخص فيها.
وبالنسبة لي...
ماعدتش أفتكر الجردل كإهانة.
بقيت أفتكره كأهم لحظة في حياتي.
لأن لو حماتي ما رفعتش الجردل يومها...
يمكن كنت هفضل مستنية.
يمكن كنت هفضل أقول
يمكن كريم يتغير.
يمكن أمه تهدى.
يمكن العيلة تفهم.
لكن الميّه الساقعة نزلت على رأسي...
وغسلت آخر وهم كان عندي.
وخلتني أشوف الحقيقة كاملة.
إن الشخص اللي بيحبك...
مايستناش فرصة يهينك.
واللي بيحترمك...
مايسمحش لحد يهينك.
واللي بيعتبرك شريك حياة...
مايخططش سرًا إزاي ياخد حقك.
وفي اللحظة اللي فهمت فيها ده...
خلص كل شيء.
بعد سنين...
في عيد ميلاد نور السادس...
كنت مجهزة لها حفلة صغيرة.
أطفال.
بالونات.
تورتة.
ضحك.
جريت عليا وهي بتضحك.
وقالت
ماما!
بصيت لها.
قالت
أنا مبسوطة أوي.
حضنتها.
وقلت
وأنا أسعد منك.
وبعدين سألتني
هو ليه مفيش جدتي سعاد هنا؟
سكت لحظة.
ثم قلت
عشان مش كل الناس تعرف تحافظ على مكانها في حياتنا.
قالت
يعني ممكن حد يخرج من حياتنا؟
قلت
آه.
قالت
ولو اعتذر؟
قلت
ساعات بنسامح.
وساعات بنسامح من بعيد.
قالت
ليه؟
قلت
عشان المسامحة مش معناها إنك تفتح نفس الباب اللي دخل منه الأڈى.
نور سكتت.
وبعدين قالت
أنا هخلي بابي حلو.
ضحكت.
وقلت
وده أهم حاجة.
في آخر الليل...
بعد ما كل الناس مشيت...
قعدت لوحدي في البلكونة.
الجو هادي.
والمدينة تحتنا مليانة نور.
افتكرت الليلة القديمة.
الجردل.
المية.
ضحكتهم.
وخوفهم بعدين.
افتكرت اللحظة اللي مدير الأمن قال
المالك الرئيسي للشركة... مدام ياسمين.
ابتسمت.
لكن مش عشان الإعلان.
ابتسمت عشان اللحظة اللي فهمت فيها إنهم أخطأوا في تقديري.
بس الحقيقة...
إنهم ماكانوش غلطانين في تقديري.
أنا فعلًا كنت هادية.
وفعلًا ماكنتش بحب المشاكل.
وفعلًا ماكنتش عايزة أنتقم.
لكن فيه فرق كبير...
بين إنك تكون طيب...
وإنك تسمح للناس تدوس عليك.
وأنا أخيرًا فهمت الفرق.
وفي صباح اليوم التالي...
رن موبايلي.
كان عادل.
قال
صباح الخير يا مدام ياسمين.
قلت
صباح النور.
قال
فاكرة بروتوكول سبعة؟
ضحكت.
قلت
أنساه إزاي؟
قال
فيه ناس لسه بتسأل عنه.
قلت
خليهم يسألوا.
قال
ولو حد حاول يعمل نفس الغلطة؟
بصيت لنور وهي بتجري في الجنينة.
وقلت
قول لهم...
المرة الجاية مش هيكون فيه جردل.
ضحك.
قال
أمال إيه؟
قلت
هيكون فيه قانون.
وقفلنا.
ومن ساعتها...
أي حد كان بيسألني
إنتي ليه ما انتقمتيش بنفس الطريقة؟
كنت برد
لأني مش زيهم.
هم استخدموا الإهانة.
أنا استخدمت الحقيقة.
هم استخدموا الخداع.
أنا استخدمت الأدلة.
هم حاولوا يكسروني قدام الناس.
أنا خليت الحقيقة تظهر قدام الناس.
والفرق...
إن الإهانة بتخلص في لحظتها.
لكن الحقيقة...
بتفضل.
وأهو لحد النهارده...
لسه عندي الفيديو.
مش محتفظة بيه عشان أشوفه.
ولا عشان أوجع حد.
محتفظة بيه لسبب واحد.
كل ما أحس إني تعبت...
أفتحه.
أشوف الست اللي واقفة وسط الميّه.
اللي شعرها كان مبلول.
هدومها كانت لازقة فيها.
عينيها مليانة ۏجع.
لكنها ما انهارتش.
وبعدين أفتكر الست اللي خرجت من نفس البيت بعدها بدقايق...
والكل كان خاېف منها.
مش لأنها صړخت.
لكن لأنها كانت أخيرًا عارفة قيمتها.
وأقول لنفسي
الحمد لله إنهم سكبوا الجردل.
لأنه كان آخر إهانة قبل أول انتصار.
وأحيانًا...
أكبر انتصار في حياتك...
بيبدأ من أسوأ لحظة فيها.
النهاية.

تم نسخ الرابط