شاف حبيبته القديمة
شاف طليقته القديمة بتعيط جوه صيدلية ولما بنتها المريضة همست ماما حقك عليا امتى ابطل اعيا، حياته كلها اتقلبت في ثانية.
صوت البنت كان واطي جدًالدرجة إن محدش في الصيدلية سمعها وسط صوت أجهزة الكاشيرولا رنة التليفوناتولا المطر اللي كان بيخبط في إزاز الصيدلية.
لكن طارق الحربي سمعهماما متعيطيش.
همست الطفلة وهي ماسكة طرف جاكيت أمهاأنا ممكن أبطل أعيى بجد اتجمد طارق مكانه عند باب الصيدلية.
كان لسه داخل من المطروالموبايل بيرن في إيده.
سكرتير شركته بيتصل بيه للمرة التالتةلكن لأول مرة
ما ردشهو أصلًا ماكانش داخل يشتري دوا.
كان مستني المطر يخف بسلكن القدر كان مخبي له حاجة تانية..رفع عينهوشافهانغمطليقته وحبيبته الوحيدة
والست الوحيدة اللي عمره ما قدر ينساهاكانت واقفة قدام الصيدليلابسة عبايه سودا قديمه
وشعرها باين من الطرحه العشوائية اللي لفاها بسرعةوفي إيدها روشتة متكرمشة، ضاماها على صدرها كأنها آخر أمل عندهاعرفها من أول نظرة.
وعرف كمان إنها بتحاول تبان قويةرغم إنها من جوا منهارةعدت ست سنينمن يوم ما خرجت من حياتهوسابت مفاتيح الفيلا فوق الترابيزةومضت أوراق الطلاقومشيت من غير ما تطلب جنيه واحد.
لا نفقةولا بيتولا حتى تفسير.
وقتها أقنع نفسه إنها هي اللي اختارت تمشيوأقنع نفسه إنه بيحترم قرارهاوأقنع نفسه بحاجات كتير
لأنها كانت أسهل من الاعتراف إنه كان جبانسمع نغم بتقول للصيدلي بصوت مكسورممكن أدفع نص المبلغ النهاردهوالباقي آخر الأسبوعبس اديني المضاد الحيوي الليلة الصيدلي هز راسه بأسف.
وقالآسف يا مدامالتأمين رفض يغطي العلاج.
وسعر الدوا أربعة آلاف وثمانمية وستين جنيه.
نغم ماعيطتشلكن طارق شاف كل حاجة.
شاف إيديها وهي بتترعشوشاف شفايفها وهي بتضغط عليهم عشان متنهارش..ظوشافها بتحاول تخبي وجعها قدام بنتهاكانت الطفلة واقفة جنبها
لابسة حذاء وردي عليه بطة صفراشكلها عندها حوالي خمس او ست سنينبشرتها شاحبة وشعرها أسود ناعم.
ولما رفعت وشهاوقف قلبهكانت عيونها
رمادية..دنفس لون عيون والدته بالظبط هي خليط عجيب من امها وامه وووشدت كم أمها وقالت
مامامش لازم نجيب الدواأنا هبقى كويسة.
نزلت نغم بسرعة لمستواهاوحاولت تبتسم.
متخافيش يا حبيبتي هزت البنت راسها وقالت ببراءة
انا كويسه يا ماما في اللحظة دي
حس طارق إن حاجة اتكسرت جواهمشى ناحيتهم من غير ما يفكروقال للصيدليحاسبني على كل الأدوية.
لفت نغم بسرعةولما شافتهاتجمدتمرت ثواني
محدش فيهم نطقولا صوت في الصيدلية كان مسموع.
غير أنفاسهم..ظقالت بهدوءطارق
اسمه خرج منهاشايل وجع سنين.
بص للبنت الصغيرة وسأل بصوت مخنوقاسمها إيه؟
نغم همست بسرعة وهي بتسحب ايد بنتها..وقالت مش عاوزين يا دكتور العلاج ..احنا ماشيين رجع فلوس البشمهندس لكن طارق وقف قدامهاوحط بطاقته البنكية على الكاونتروقال للصيدلي هات كل اللي في الروشتةوأي دوا هيحتاجوه.
همست نغم بغضب قلت لا .من غير ما يبصلها
قال وهو مركز عينه على الطفلةمش علشانك.
سكتت أما البنت
ميل عليها ومسك ايدها وقال اسمك ايه؟
فابتسمت الطفله ابتسامة صغيرة وقالتاسمي زينه.
ابتسم رغم الوجع اسم جميل قالت بفخر ماما بتقول كده بردو رد وهو صوته بيتهزوهي عندها حق.
اما نغم مكنش قدامها اختيار أخدت كيس الأدويةولفت ومشيت تحت المطر مع بنتها ..من غير حتى كلمة شكر.
كانت فاكره الموضوع خلص علي كده لكن طارق مشي وراها من بعيدوصلوا بعد شارعينلعمارة قديمة فوق مغسلة كانت نغم حامية زينه بجسمها من المطر
رغم إن هي نفسها كانت غرقانهناداهانغم
وقفتمن غير ما تبصله..قال برجاءلو سمحت
لفت ناحيته ببطء وقال وهو باصص للبنتعندها كام سنة؟شدت نغم على فكها وقالت وانت مالك؟
كرر السؤال بهدوءكام سنة يا نغم ؟
ردت بعد صمت طويل.
حس إن الدنيا بتلف بيهوقال بصوت واطيدي بنتي
دي بنتي يا نغم؟
السؤال خرج من طارق بصوت واطي، لكنه وقع عليها كأنه صرخة.
نغم فضلت واقفة مكانها تحت المطر، ماسكة إيد زينة بقوة، ووشها اتحول في لحظة من الغضب للخوف.
مش خوف منه
خوف من اليوم اللي فضلت ست سنين كاملة تهرب منه.
زينة رفعت عينيها لأمها وقالت باستغراب
ماما هو عمو بيقول إيه؟
نغم نزلت بسرعة لمستواها، وعدلت لها الكاب اللي كان المطر بلله.
مفيش يا حبيبتي يلا نطلع البيت عشان هدومك اتبلت.
لكن طارق اتحرك ووقف قدامها.
نغم، أنا سألتك سؤال.
رفعت عينيها له أخيرًا.
وأنا مش مطالبة أجاوبك.
طارق ضحك ضحكة قصيرة، مليانة صدمة أكتر من السخرية.
مش مطالبة؟! أنا واقف قدام طفلة عندها نفس لون عيون أمي، وسنها تقريبًا على قد المدة اللي إحنا منفصلين فيها وبتقولي مش مطالباني أعرف؟
نغم قربت زينة منها.
وطّي صوتك.
عندها كام سنة؟
طارق
كام سنة؟!
زينة خافت من نبرة صوته، فاستخبت ورا أمها.
طارق شاف الحركة دي وسكت فورًا.
كأنه فجأة استوعب إن غضبه مالوش ذنب فيه الطفلة.
رجع خطوة لورا وقال بهدوء
حقك عليا يا زينة أنا مش زعلان منك.
زينة بصتله من ورا أمها وقالت
إنت زعلان من ماما؟
السؤال البريء خبط الاتنين في قلبهم.
نغم ردت بسرعة
لأ يا حبيبتي.
لكن طارق قال في نفس اللحظة
أنا زعلان من نفسي.
بصتله نغم.
لأول مرة من ساعة ما شافته، ملامحها اتهزت.
لكنها تماسكت.
مسكت إيد بنتها ودخلت العمارة.
طارق فضل واقف تحت المطر.
وبعد ثواني ناداها
نغم!
وقفت على أول درجة.
أنا مش همشي.
لفت له.
براحتك.
هفضل هنا لحد ما أفهم.
قالت ببرود
ممكن تفضل للصبح.
وطلعت.
الشقة كانت في الدور الرابع.
من غير أسانسير.
نغم طلعت السلالم وهي شايلة كيس العلاج بإيد، وممسكة زينة بالإيد التانية.
كل درجة كانت بتحاول تقنع نفسها إن اللي حصل تحت مجرد صدفة وانتهت.
لكنها كانت عارفة طارق.
لما يدخل سؤال دماغه، ما بيهدأش غير لما يعرف إجابته.
فتحت باب الشقة.
شقة صغيرة جدًا.
أوضتين وصالة.
الأثاث بسيط، لكن المكان نضيف ومرتب.
أول ما دخلت زينة، كحت كحتين متتاليتين.
نغم جريت عليها.
حبيبتي، اقعدي هنا.
حطتها على الكنبة، وجابت فوطة ونشفت شعرها.
زينة قالت
ماما
نعم؟
عمو طارق ده صاحبك؟
إيد نغم وقفت.
كان أعرفه زمان.
هو غني؟
ابتسمت نغم بحزن.
وإنتِ عرفتي منين؟
عشان دفع الفلوس بالكارت بسرعة.
ضحكت نغم رغمًا عنها.
نامي إنتِ بس.
زينة مسكت إيدها.
هو كان بيبصلي غريب ليه؟
نغم سكتت.
معرفش.
حسيت إنه عايز يعيط.
الكلمة وجعتها.
قامت بسرعة ناحية المطبخ الصغير.
هجيبلك مية تاخدي الدوا.
لكن الحقيقة إنها كانت محتاجة تبعد عشان بنتها ما تشوفش دموعها.
فتحت الحنفية.
وحطت إيديها على الرخامة.
ست سنين.
ست سنين وهي بتقول لنفسها إنها عملت الصح.
ست سنين وهي شايلة السر لوحدها.
لكن صوت طارق وهو بيسأل
دي بنتي؟
فضل بيرن في ودانها.
تحت العمارة
طارق ما مشيش.
ركب عربيته وفضل قاعد جواها.
المطر كان بينزل على الزجاج قدامه، والموبايل ما بطلش رن.
بص للشاشة.
معتز مدير المكتب.
قفل المكالمة.
بعد دقيقة وصلت رسالة
يا باشمهندس، الاجتماع بدأ والمستثمرين مستنيين حضرتك.
طارق كتب
يتأجل.
بعد ثواني
حضرتك الاجتماع مع الوفد الأجنبي، وتأجيله ممكن يعمل مشكلة كبيرة.
طارق بص ناحية شباك الدور الرابع.
وكتب
قولهم عندي ظرف عائلي.
وقف عند الكلمتين.
ظرف عائلي.
هو أصلًا عنده عيلة؟
ولا ممكن يكون كان عنده عيلة كاملة طول ست سنين وهو مش عارف؟
رجع بذاكرته لآخر شهور جوازه من نغم.
كانت تعبانة كتير.
بتنام بدري.
مرة شافها بترجع من عيادة.
سألها وقتها
كنتِ فين؟
قالت
شوية إرهاق.
وهو
ما سألش أكتر.
كان مشغول.
شركة جديدة.
صفقات.
سفر.
وأم بتدخل في كل تفاصيل حياته.
افتكر أمه يوم الطلاق.
كانت واقفة في الفيلا وبتقوله
سيبها تمشي يا طارق. اللي تحب جوزها ما تسيبوش بالشكل ده.
وقتها صدقها.
لكن النهارده، لأول مرة، سأل نفسه
ليه نغم مشيت فعلًا؟
وليه ما طلبتش أي حق؟
وليه اختفت تمامًا؟
والأهم
لو زينة بنته
ليه خبّتها عنه؟
فتح باب العربية.
ونزل.
بعد حوالي نص ساعة
خبط على باب الشقة.
نغم عرفت إنه هو قبل ما تفتح.
فضلت واقفة ورا الباب.
امشي يا طارق.
صوته جه من الخارج
مش همشي.
زينة تعبانة.
عشان كده لازم نتكلم.
مفيش كلام.
سكت ثواني.
ثم قال
طيب قوليلي حاجة واحدة وأنا أمشي.
نغم غمضت عينيها.
إيه؟
زينة عندها كام سنة؟
خمس سنين ونص؟
فضلت ساكتة.
عيد ميلادها إمتى؟
فجأة سمع صوت زينة من جوه
ماما مين؟
نغم ردت
ولا حد يا حبيبتي.
لكن زينة قربت من الباب.
عمو طارق؟
طارق حس قلبه بيتقبض لمجرد سماعها بتنادي اسمه.
نغم فتحت الباب جزء صغير وقالت
لو عندك ذرة رحمة، امشي.
بصلها طويلًا.
عندي رحمة وعشان كده مش قادر أمشي.
إنت عايز إيه؟
الحقيقة.
الحقيقة مش دايمًا هتعجبك.
سيبيني أنا أحدد.
نغم ضحكت بمرارة.
زي زمان؟ إنت اللي تحدد وأنا أنفذ؟
أنا اتغيرت.
لأ إنت بس بقيت أغنى.
الجملة ضربته.
لكنه ما ردش.
قال بهدوء
هي بنتي؟
نغم بصت وراها ناحية زينة.
وبعدين رجعت بصتله.
حتى لو كانت بنتك إيه اللي هيتغير؟
وشه شحب.
يعني ممكن تكون بنتي.
استوعبت غلطتها.
حاولت تقفل الباب.
لكنه قال بسرعة
مش هلمسك ولا هدخل غصب. بس بكرة الصبح هاجي تاني.
متجيش.
هاجي.
ولو ما فتحتش؟
هستنى.
ولو قلتلك ملكش علاقة بينا؟
صوته اتكسر لأول مرة
لو هي بنتي، يبقى ضاع مني خمس سنين من عمرها يا نغم.
عينيها لمعت.
وإنت فاكر الخمس سنين دول كانوا سهلين عليا؟
أمال ليه؟!
رفعت إيدها بسرعة.
وطّي صوتك.
طارق سكت.
قالت بصوت مخنوق
مش هنا.
فين؟
مش دلوقتي.
إمتى؟
سكتت.
قال
بكرة؟
هزت راسها ببطء.
بعد ما زينة تتحسن.
وأنا عايز أطمن عليها.
مش من حقك.
يمكن يكون من حقي.
نغم كانت هترد
لكن فجأة جه صوت حاجة وقعت من جوه.
وبعدها صوت زينة
ماما
لفت نغم بسرعة.
زينة كانت واقفة جنب الكنبة، وإيدها ماسكة طرفها، ووشها شاحب جدًا.
زينة!
جريت عليها.
طارق دخل وراها تلقائيًا.
نغم صرخت
ما تدخلش!
لكنه ما سمعهاش.
لأن زينة بدأت تقع.
لحقها قبل ما تخبط في الأرض.
شالها بين إيديه.
كانت خفيفة بشكل خوّفه.
قال بسرعة
لازم نروح المستشفى.
نغم حاولت تاخدها منه.
أنا هتصرف.
نغم، البنت سخنة جدًا.
اديني بنتي.
طارق بص في عينيها.
وقال بهدوء شديد
مش وقت خناقتنا.
زينة فتحت عينيها بالعافية.
وبصت لطارق.
همست
عمو
أنا معاكي.
ماما بتخاف من المستشفيات.
طارق بص لنغم.
لقى وشها أبيض.
قالت بسرعة
مفيش داعي للمستشفى. الدكتور قال لو الحرارة زادت أديها
قاطعها
وإنتِ هتجازفي؟
أنا عارفة حالة بنتي.
وأنا مش عارف أي حاجة!
صرخها لأول مرة.
وبعدين نزل صوته فورًا.
أنا مش عارف عنها أي حاجة يا نغم.
نظراتهم اتقابلت.
وفي اللحظة دي، زينة رفعت إيدها الصغيرة ولمست وش طارق.
وقالت بتعب
متزعقش لماما.
طارق حس إن نفسه وقف.
مسك إيدها الصغيرة وباسها.
حاضر.
نغم بصت للمشهد، ودمعة نزلت منها غصب عنها.
بعد عشرين دقيقة
كانوا داخلين مستشفى خاص قريب.
طارق شايل زينة.
ونغم ماشية جنبه.
أول ما دخلوا الطوارئ، الممرضين اتحركوا بسرعة.
دخلت زينة الكشف.
نغم حاولت تدخل وراها.
لكن الممرضة قالت
لو سمحتي استني دقيقة لحد ما الدكتور يكشف عليها.
وقفت نغم قدام الباب.
طارق وقف بعيد عنها.
عدت دقايق طويلة.
وبعدين خرج الطبيب.
مين والد الطفلة؟
نغم فتحت بقها.
لكن قبل ما تنطق
طارق قال
أنا.
لفت له بصدمة.
الطبيب قال
محتاجين نعمل تحاليل وفحوصات بسيطة لأن الحرارة عالية وعندها علامات إجهاد واضحة.
طارق هز راسه.
اعملوا كل اللي محتاجينه.
نغم قالت
لحظة
لكن الطبيب كان دخل.
لفت لطارق بغضب
إنت قلت إنك أبوها على أي أساس؟
قرب منها خطوة.
على أساس إنك مش قادرة تقوليلي إني مش أبوها.
ده مش دليل.
يبقى قوليها.
سكتت.
بصيلي وقولي زينة مش بنتك يا طارق.
نغم حاولت.
فتحت بقها.
لكن الكلمات ما خرجتش.
طارق هز راسه ببطء.
دموعه لمعت لأول مرة.
خلاص.
نغم قالت
متفهمش اللي إنت عايزه.
طب فهميني.
سكتت.
ليه خبيتيها